شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

الخدمة الإلزامية وتسلّط النصيريين

0 254

عندما تسأل أي سوري عن خدمته الإلزامية وكيف قضاها فلا يبدأ كلامه عنها إلا بعد أن يتأوه كثيرا، فهي مرحلة من عمره مضت دون فائدة تذكر، كما قال عنها عدة أشخاص التقينا بهم فلم يتعلموا منها إلا الذل والهوان على حد وصفهمتعتبر الخدمة الإلزامية أو «خدمة العلم» كما يسميها النظام الغاشم واجبة ومفروضة منه على كل شاب سوري يبلغ من العمر 18 عاما، ويعفى من السوق الشاب الوحيد لأهله ومن يزن قرابة الـ150 كغ أو من يعاني عاهة دائمة ناهيك عن أبناء المسؤولين في البلد، فقبل لحاق أي شاب بقطع الجيش المترامية في بقاع الوطن يكون قد سمع من أقرانه عن مدى الصعوبات والإهانات التي يتعرض لها المجند فور وصوله إلى القطع العسكرية، لذلك تنتابه حالة إحباط وتخوف مما سيلاقيه وينتظره، فأي شخص كان قد «خدم العلم» في صفوف النظام المجرم يحمل في جعبته العشرات من القصص التي توضح تسلط النصيريين على الضباط والمجندين السنة، وأشار عدد من شهود العيان من خلال كلماتهم لحجم الاستفزازات التي يعملون عليها لإذلال مجندي أهل السنة.

شهادات بعض المجندين والضباط الذين خدموا في صفوف الجيش النصيري:

ووصف «معاوية الحلبي» ليلة سوقه لـ«خدمة العلم» بأنها ليلة سوداء شديدة الظلمة، كما وضح لنا بعضا مما تعرض له أثناء خدمته العسكرية: «عند سماعي بخدمة الجيش أو «خدمة العلم» فورا تعود لذاكرتي عبارات وكلمات كنت لطالما سمعتها آنذاك مثل «اعتز بنفسك يا حيوان» و«ارفع راسك يا كلب» و«نفذ الإيعاز يا واطي» وغيرها من الشتائم التي تعرضت لها خلال خدمتي الإلزامية، كنت قد توجهت إلى الثكنة العسكرية في الموعد الذي حددوه لي فجاء اختياري ضمن قوات الأمن الداخلي وكانت الوجهة حرستا بريف دمشق، التي تضم كتيبة «حفظ النظام» وهنا بدأت قصص الذل والإهانة، ويوجد ساحة للآليات تحوي غرف لتصليح السيارات وتملأ أرضها الشحوم والأوساخ والمياه القذرة، يبدأ الضباط يسوقوننا من الساحة الرئيسية إلى ساحة الآليات كالبهائم ثم يعروننا من اللباس ونبقى بـ«الشورت» فقط ثم يبدأ الضابط يعطينا الإيعاز بالاستلقاء على الأرض ومن ثم «الدعكلة» حتى نصل لغرفة الزيوت والشحوم، فترى أكثر من 200 عنصر فوق بعضنا البعض في غرفة ربما لا تتجاوز الأربعة أمتار طولاً وعرضاً، فنصبح وكأننا كومة من اللحم، فضلاً عن الذي يكون في الأسفل يصل به الحال للاختناق، بالإضافة إلى الكلمات النابية من الضباط وصف الضباط، أتذكر مرة كان وجهي على الأرض، وجسدي عارياً وتحته الحجارة والأوساخ والقذارة، وأُذني تسمع ما يقولون وما يوجهون لي من إهانة، وإذ ببصري ينظر إلى صورة كبيرة كانت معلقة في نصف الساحة، وتحوي صورة رأس النظام «بشار الأسد» هنا أيقنت تماماً.. أني وغيري أتينا إلى هنا حتى تداس كرامتنا، ولكي يعلموننا معنى الطاعة للضابط وللرئيس النصيري بشار، وحتى وإن شُتمنا نحن وأباؤنا فيجب السكوت، في صورة مذلة لا يبلغ درجتها إلا الحيوانات، فهل هذه هي خدمة الوطن التي يدعونها، أم أننا فقط دوابٌّ في مزرعة الأسد، نعمل كما تريد العائلة، ونساق إلى أي مكان يريدون، حينها تمنيت أنني لم أكن ابن هذا الوطن».

وفي نفس السياق سرد لنا أبو «أبو آية الحوراني» من ريف درعا فترة خدمته الإلزامية: «لقد مضت مدة خدمتي بجيش النظام المجرم وكأنها سنوات طويلة نتيجة التعذيب وكثرة الإساءات التي واجهناها، ومن إحدى الحوادث التي حصلت معي أيام دورة الأغرار بحمص في إدارة الأشغال العسكرية، عندما كنا في استراحة وكان يتواجد ازدحام على «بيوت الخلاء» بسبب الأعداد الكبيرة مما اضطر أحد المجندين لقضاء حاجته خلف أحد المباني، وعندما رآه الضابط أجبره على لحس برازه ومسحه بثيابه من ثم عذبه قرابة 4 ساعات مصحوبة بالسباب والشتائم».

وتابع «الحوراني»: «كانوا يتعمدون إهانتنا وإذلالنا أثناء فترة الطعام عندما يبدأ الضابط بالتسلية أثناء فترة الراحة فالكثير من أصدقائي قام الضابط بسكب الطعام على رؤوسهم بطريقة مذلة لا علاقة للتدريبات بهكذا أمور بالإضافة للشتائم التي لا تعد ولا تحص».

ومن جانبه وضح لنا «أبو عبد العزيز» من ريف إدلب كيف ذهب لـ«خدمة العلم» وماذا شاهد وعاين: «تم فرزنا إلى كلية المدفعية بالراموسة بحلب التي تتألف من عدة أقسام وكل قسم يتبع لأحد الضباط، لم أتعلم من الجيش إلا الذل كان هم الضباط مركز على كيفية كسر نفسيتنا وتعويدنا على سماع الشتائم دون أن نفعل شيئا، كان بقطعتي ضابط من آل «معروف» يعذب ليلاً العساكر وهو سكران وكان يعمل أي شيء دون محاسب أو رقيب، تمكنت من كشفه أكثر من مرة وهو يسرق من ممتلكات الكتيبة لكن لا أجرؤ على التكلم فلا فائدة مرجوة كونه نصيري ويفعل ما يريد، عدد من رفاقي دفعوا له مبالغ مالية كبيرة وقضوا خدمتهم في بيوتهم، وأذكر أيضا أنه أول يوم في شهر رمضان جاء الضابط وأخبرنا أنه سيقوم بيتدريبنا وبقي يعذبنا حتى أفطرنا جميعا طبعا أمور الصلاة والعبادة الجميع يعرف أنها ممنوعة وأي شخص يعبد ربه يكون تحت المراقبة التامة أيضا بالنسبة للكفر وسب الله عندهم إياه أمرا عاديا وطبيعيا فمستحيل مرور يوم إلا ويقوم أحد الضباط بالكفر البواح».

ومن ناحيته قال «أبو عبادة» من ريف دمشق: «عندما اقترب موعد سوقي لخدمتي الإلزامية شعرت بالخوف والقلق الشديدين فمصير مجهول بات قريبا جدا وأحاديث أصدقائي السابقة أصبحت تتردد في ذهني كل يوم عن معاناتهم خلال خدمتهم العسكرية، تم فرزي إلى السويداء في كتيبة المشاة، هناك واجهت العديد من صور الذل التي عاينتها وشهدتها ولكن لربما الحادثة التي حصلت بعد فرزنا بعدة أيام لم ولن تغيب عن ذاكرتي إلى اليوم، وكان ذلك أثناء مبارة بين فريقين محليين سوريين وكان الضابط النصيري يشجّع أحدهما فدعانا لاجتماع في ساحة التدريب وقال لنا إذا خسر فريقي سأبقى أعاقبكم ثلاثة أيام من الآن، وأمرنا بالركض حول ساحة التدريب والمناداة بأعلى الصيحات هاتفين لفريقه الذي يشجعه، في ذلك الوقت استشعرت حقيقة لماذا نحن هنا وماذا نقدم لوطننا في ظل وجود ضباط مثل هؤلاء».

وأكمل «أبو عبادة» حديثه: «استمرت خدمتي حتى بدأت الثورة عام 2011 أتذكر حينها جمعنا الضابط وأخبرنا أننا سنذهب بمهمة إلى درعا بسبب وجود مخربين ومندسين وضباط يهود يتخذون من المسجد العمري في درعا مكانا لتنفيذ مخططاتهم التي يحاولون بها تخريب البلد، توجهنا مسرعين ودخلنا حينها المسجد لكننا لم نلاحظ شيئا فقام أحد الضباط النصيرين بتمزيق المصاحف فانبرى له أحد المجندين من ريف حمص وقال له لا يجوز، على إثر ذلك تم معاقبة الشاب الحمصي 20 يوما بالمنفردة مع عقوبات مختلفة.

وتحدث «معتز أبو مصطفى» من ريف إدلب عن خدمته: «أنجزت دورة بحلب بعدها تم فرزي إلى منطقة المالكية شرق سوريا فأول ما وصلنا أهانونا كثيرا بحجة تحطيم النفسيات، وفور دخولنا القطعة أدخلنا الضابط لغرفته واحد تلو الآخر وكان يسأل العساكر من لديه المال لكي نفيشله (يخدم في البيت) وقبض الكثير من الأموال لقاء منح مجندين إجازات مطولة، في ذلك الوقت أتذكر شابا طويل اللحية كان إماما لأحد المساجد في إحدى القرى اسمه «عباس شريفة» في أغلب الأحيان كان الضباط يسمعونه كلاما سيئا ويتتبعونه ويضيقوا عليه من كافة النواحي، والعلوي إذا أصبحت لحيته طويلة كثيرا لا يتعقبه أحد»، كان عندنا مجند نصيري يفعل ما يريد من سكر وخمر دون أن يتعرض له أحد».

وفي سياق متصل أخبرنا «سعد نعمان» من ريف الحسكة الشرقي: «لقد سمعت عن الجيش وما يحصل به من خلال أصدقائي الذين سبقوني جميع القصص التي أخبروني بها أشعرتني بالإحباط خاصة عندما سمعت أننا نحن الأكراد نُعامل بطريقة سيئة، عندما ذهبت لخدمة العلم بمنطقة عسال الورد تعرضت للكثير من المواقف المذلة لكن أكثرها في بداية سوقي، فبينما أنا متوجه بعد نهاية التدريب إلى صديقي في مهجع ثان صادفني الضابط النصيري «علي سليمان» فسألني عن وجهتي فأخبرته وطلب مني اللحاق به وتابعته ركضاً إلى أن وصلنا لحفرة فنية تملؤها القذارة وأمرني بالنزول بها أكثر من مرة وعندما أنتهي قال لي بدي ربي فيك كل كردي بالكتيبة عندها تمالكت أعصابي كثيراً وتمنيت لو أقتله، فأدركت وقتها أن هذا الجيش ليس لنا وما نحن إلا عبيد عند هؤلاء.

وأشار «لؤي عثمان» عسكري منشق من ريف حمص الشمالي إلى حقيقة الطائفية التي عمل بها النظام بداية الثورة: «لم يمض على خدمتي 7 أشهر في الفرقة الرابعة حتى بدأ الضباط يخبروننا بقصص مظاهرات يخرج بها مخربون من أمام المساجد في أحد الأيام قبل أن أعلن انشقاقي جاء بعض الضباط وبدأوا يخبروننا أننا سنتوجه لمنطقة «معضمية الشام» بريف دمشق للقضاء على أناس يريدون تخريب البلد فجهزنا أنفسنا وانطلقنا وعندما وصلنا شاهدنا الأهالي يهتفون بالحرية والكرامة وكانوا جميعاً من أبناء البلد فعرفت حينها أن شيئا عظيما يحدث ونحن لا نعلم عنه شيئا.

كيف كانت النتيجة:

من خلال الكثير من الشهادات التي سمعناها عرفنا حقيقة ذلك الجيش الذي كان ينهب خيرات البلد بحجة الاستعداد والمقاومة وبرزت حقيقة ضعفه وعجزه مع انطلاق ثورة الشام فلولا استعانته بروسيا وبالميليشيات الطائفية الإيرانية لكانت عدة كتائب من الثوار وبسلاحهم الخفيف سيطروا على جميع البقاع السورية.

واتفق معظم من قابلناهم على أن الجيش ما هو إلا عبارة عن «مافيا» ترتبط مع بعضها البعض من الصغير حتى تصل للكبير، كما توضحت حقيقة هذا الجيش القائم على أساس طائفي يحتل النصريين المراكز العليا في جميع مفاصله ويستطيع الواحد منهم مهما صغرت رتبته أن يفعل ما يشاء.

 

 

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق