شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

لِمَ نُقاتِل؟

0 261

تتوالى الاجتماعات لأجل الساحة الشامية، اتصالات هاتفية، جولات مكوكية، اتفاقيات دولية، قرارات سرّيّة وأخرى علنية، وإعصار من الشائعات يأخذ مداه في كل أرض، وفي قلب كل إنسان؛ لقد خُذلنا، وخاننا الجميع وبقينا وحدنا في مهب المعركة، وبتنا نُرمى بسهام أهلنا بتهم غريبة، “باعوها”، وكيف نبيع أرضاً حرسناها بأرواحنا وفديناها بدمائنا؟ فمن بوسعه حل المعضلة؟!

هذا حال رجالنا الذين يقاتلون اليوم وهم يعلمون تماماً أن نسبة الأمل شحيحة -إلا من الله-، وبأن العدة والعتاد لا يكفي لردع دول تمتلك الطائرات والأسلحة المتطورة التي تجرّبها في شعب كامل مجرّدة من أدنى صفات الإنسانية، كل شيء يدعو للاستسلام والتسليم لكنهم لا يفعلون، فخيار المقاومة هو خيارهم الذي اتخذوه، فإما نصرٌ مظفرٌ يُعَزُّ به الدين والمستضعفون، وإما الشهادة، وهم في هذه الحالة يقاتلون، وهم إذ يقاتلون لا يدافعون فقط عن الأرض والإنسان، بل يدافعون عن المبدأ والفكرة، فكرة الحق الذي قد يتسلل للناس شعور أن لا أحد يسانده، وبأنه مشاع لكل طامع، وفكرة أن الحلّ هو في الصمت والتنازل والخنوع، وبأن هذا درب الإنسان الأبدي على الأرض، فكل ما عليه هو أن يسكت، وأن يمضي الحياة بأقل ضرر ممكن، هذه الفكرة التي دفعت الجميع للتمادي والتطاول والإفساد، حتى غدا هذا الفساد هو السمة الغالبة، والمرتبطة بدولٍ وشعوب تتخذ طريقها بسرعة نحو الانحدار والسّقوط.

ولأجل ألا نسقط ونحن أصحاب الكرامة، ولأجل أن تبقى القيم التي نحملها هي الأساس الذي نورثه للأجيال القادمة، كان على كل مجاهد حرّ منا أن يقاتل وأن يدافع، وأن يدفع الثمن الكبير لقاء ذلك، وهو إذ يرسّخ فكرة بحضوره وأفعاله لدى الشعب الكريم المُستضعف، فهو يرسخ مقابلاً لها أفكارًا أخرى لدى العدو الذي يُقاتل قتالاً أعمى، فهو برصاصة تخترق جسده يجعله يُبصر، وبعطب دبابةٍ كان يظن أنها ستهزم المجاهدين فإذا بها تتحول إلى قطع خردة، يجعله يُبصر، وهو بإسقاط طائرة تقصف الناس، يتعالى بها، ويظن أن الشعب الحر تحت قدميه، فإذا بالطيّار ساقط تحت أقدام المجاهدين فهذا يجعله يبصر، فإن أبصر؛ رأى الرعب يتجلى في كل ما حوله، ورأى أمامه أبطالاً يقاتلون بشجاعة رغم قلّة ما بأيديهم، ولعله يتوهّم أحياناً أن ما بأيديهم سلاح أقوى مما يتخيل، غير أن الحقيقة أنهم يتسلحون بإيمانهم وإرادتهم الغالبة.

ولعل رجالنا المجاهدين اليوم إن التفتوا وراءهم، لرأوا انطباعات الناس تختلف كثيراً عند الانتصارات، ما بين بهجة واحتفاء، لكنهم لا يحفلون كثيراً بما يحفل به الناس، فهم يكتفون فقط بمراقبة ذلك الفرح بشيء من الرّضا، وكأنهم يحملون زوادة الطريق من ابتساماتهم ثم يمضون وكأنهم عابرو سبيل، لا وقت لديهم للبقاء وتتبع آثار الخبر وتحليلاته، فهم منشغلون بصناعة خبر آخر لم يحدث بعد.

يُقاتل المجاهد الحرّ في كل ميدان ليحفظ شبراً من أرضه عزيزًا، وهو يعلم تمامًا قيمة هذا الشبر، ولو لم يبق له غيره، سيقف عليه ويرفع الراية، ويقول كلمته، سيسقط الطغاة سراً وعلانية، سيسقطهم في مواقفه، وفي أحاديثه الودية وغير الودية، في تواصله مع العاملين والقاعدين، مع اليائسين والطامحين، مع حملة الفكر وحملة البنادق وأصحاب الأيدي والقلوب والعقول الخاوية، لأنه يدرك أن فيه الكرامة، وميلاد مجتمعٍ سوي، وفيه الجنّة الأرضية خالية من ملامح القيد والاستبداد واحتكار الإنسان، يقاتل لئلا تنحرف البوصلة، ويلتبس الحق بالباطل، ويعم اليأس من الحرية، من الحق، ويقاتل ليترك رسالته للجيل القادم، لمستقبلٍ قد لا يكون فيه، لمعارك أصعب.. قد لا تكون عسكرية بالضرورة، لا يتسنى له المشاركة فيها.

يقاتل المجاهد لأنه يشعر أن ما يقوم به اليوم هو الصواب، وليس الصواب هو العقل المجرّد بالضرورة، ولا العاطفة المجردة أيضاً بالضرورة، ففي داخله التحام العقل والقلب والروح.

يتابع المجاهد دربه في ميدان القتال وميدان السياسة وميادين الإنسان؛ لأنه يدرك أن الاستمرار خياره الأوحد، وبأنه لو امتلك شبر أرض، سيرفع عليه الراية، ولو سُلب منه هذا الشبر.. سيقاتل ما بقي حيّاً.. ويقاوم.

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق