شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

عبقرية اتحاذ القرار وركنه الأعظم

0 447

قال داهية المسلمين والعرب الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه: «ما نزلت بي قط عظيمة فأبرمتها حتى أشاور عشرة من قريش، فإن أصبت كان الحظ لي دونهم، وإن أخطأت لم أرجع على نفسي بلائمة».

هذا القول تظهر فيه عبقرية ودهاء الصحابي الجليل في تكييف أهمية ومحورية الشورى في اتخاذ القرار، وقد صدرت به المقال لأبين أن هدفنا هنا ليس بيان ما يعرفه الجميع من اهتمام الشرع بالشورى وندبه إليها وتأكيده عليها كما نرى في مخاطبة الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم –وهو وحي يوحىقائلًا له {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} أو للأمة جميعًا حين أثنى عليها بأن {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}.

لكن غرضنا بيان أن العقل السليم يُحتّم اللجوء إلى الشورى ويَأطر أي فطن إلى بناء قراره عليها وتدثيره بردائها ولو لم يرد في الشرع ما يحث عليها، فالشورى هي الركن الأعظم لصحة القرار وحصنه الحصين وطريق العبقرية في اتخاذه، وخطابي ليس للقادة فقط وإن كانوا أولى الناس به لكن أيضًا لعموم الناس كبيرهم وصغيرهم ذكرهم وأنثاهم متعلمهم وجاهلهم، فرأي الإنسان مهما عظم قدره وعلا شأنه وكمل عقله وارتفع كعبه في العلوم الشرعية أو الكونية يظل معرضًا للخطأ والسهو والضلال والانحراف والتأثر بأهواء النفس وتأثير المحيط، فالمشاورة تُضيّق على الأخطاء والأهواء بل توشك أن تئدها، كما لا يمكن لعاقل –غالبًاأن يجزم بصحة قراره قبل رؤية نتائجه إلا إذا كان قد استشار فيه أولي الألباب وذوي النهى، ولا يُتصور أن يعرف مخلوق كل ما للشورى من فضل فيعدل عنها للاستبداد بالرأي إلا للخلل في عقله وسوء في تدبيره، هذا كله في فائدة الشورى قبل اتحاذ القرار وتنفيذه، لكن فائدتها لا تنتهي هنا بل تستمر لما بعد تنفيذ القرار، فإن أي قرار أيًا كانمن مسؤول أو فرد معرض للنقد، ومعرض عند التنفيذ للفشل.

إن كنت قد استشرت فهو أهنأ لبالك وأقل للومك نفسك فإنّ غيرك من العقلاء قد شاركوك الرأي، وهو أيضًا أدفع للوم الناس عنك لأنه ليس رأيك وحدك بل رأي مجموعة من العقلاء، ومن هنا نفهم مقولة داهية آخر من ملوك المسلمين عبدالملك بن مروان حين قال «لأن أخطئ وقد استشرت أحب إليّ من أن أصيب من غير مشورة» وقد نبهنا قوله –أيضًالملمح آخر وهو أن قرارك إن خرج صوابًا من غير مشورة عرضة لنقد الحساد وتشغيب الجهال وسيقع عليك وحدك عبء الدفاع عنه، بخلاف إن استشرت فيه فسيشاركك غيرك دفع الحساد ويضعف ويقل نقد الجهال حين يجدون تواطؤ العقلاء على تصويبه.

وغني عن البيان والتأكيد أن المشورة تكون للعقلاء وإن كانوا في غير صفك أو حزبك حتى قال البعض «استشر عدوك العاقل، ولا تستشر صديقك الأحمق، فإن العاقل يتقي على رأيه الزلل كما يتقي الوَرِع على دينه الحرج» أي أن العاقل يخشى إن أشار عليك بحُمقٍ أن يُتهم في عقله أو يصيبه أسهم من ينتقدك.

وقبل كل ما سبق فلا شك أن اتباع ما أرشدنا إليه الشرع في الشورى سيثمر بركة في قراراتك والتي إن فقدت تنزع أو تقلل فائدة الصائب، وإن وجدت تخفف أو تلغي ضرر الطائش.

نسأل الله أن يلهمنا رشدنا ويهدينا إلى ما يحب ويرضى.

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق