شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

كورونا وريح الخندق

0 511

كان الكرب قد بلغ من المسلمين أشدّه في السنة الخامسة من الهجرة حين طوق الكفار المدينة كالسوار على المعصم وازدادت الشدة مع نقض يهود بني قريظة العهد وتواطئهم مع قريش ليكونوا خنجرًا في ظهر المسلمين، وبدا الإسلام كله قاب قوسين أو أدنى من الاصطلام التام، لتأتي في هذه اللحظة العناية الإلهية ويرسل الله ريحًا تهزم الكفر وجنده {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ ررِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها}.

ورغم هذه الآية الباهرة فلم يُنقل أن أحدًا من الكفار آمن بسببها، بل أبو سفيان الذي كان على رأس جيش الكفر وقتها وشاهد هذه الآية بعينه، وفي الغالب سمع آيات القرآن التي خلدت وقائع هذا النصر الرباني، لم يؤمن إلا بعد هذه الواقعة بثلاث سنوات عند فتح مكة، ولا غرابة في هذا لأن المشركين يضلهم الشيطان ويُأوّل لهم أي آية غيبية على أسباب كونية بحتة، «عاصفة من عواصف جزيرة العرب واعتصم المسلمون بالخندق فاضطررنا للانسحاب» هذا في الغالب ما وطّأه الشيطان في ذهنهم.

وهذه الطريقة في تفسير الأحداث هي الطريقة الغالبة في العصر المادي الذي يعيشه البشر منذ ثلاثمائة سنة تقريبًا والذي بدأه الإنجليزي «فرانسيس بيكون» حين وضع أُسس المنهج التجريبي وصدّره كمناوئ للمنهج الغيبي الديني في تفسير الأحداث والأعراض، وبسبب المعركة الصفرية المستعرة –وقتها- بين الكنيسة وإنجيلها المحرّف وبين المجتمع العلمي التجريبي مع تقدم هذا الأخير بطريقة أظهرت عوار التفسير الكنسي للأحداث، رجّحت كفة منهج بيكون وقضت –تقريبًا- على المنهج الغيبي، ودارت الأيام بعدها وغلب الغرب المسلمين -بسبب بعدهم عن دينهم- وأتى المحتل بثقافته لبلاد الإسلام ووجدت القاعدة «الخلدونية» أرضًا خصبة فقام المغلوب بتقليد الغالب في افتراض صراع مصطنع بين الغيبي والتجريبي وترجيح كفة التجريبي، رغم أنه لا وجود لهذا الصراع أبدًا بين الدين الإسلامي -الذي لم يحرف كما حرف دين الكنيسة- وبين المنهج التجريبي، بل إن المنهج التجريبي ما فتئ يثبت المرة تلو المرة صحة ما صرح أو أشار إليه الإسلام من مسائل في العلم الكوني.

ما سبق تقريره يفسر الصراع المكتوم حول تكييف وطريقة التعامل مع وباء «كورونا» حيث ينفر البعض من أي تفسير غيبي له ككونه عقوبة للكافرين ورحمة للمؤمنين، ناهيك عن الاشمئزاز والسخرية من العلاج بالرقية والأذكار –وهو ثابت في الإسلام ومن أقوى الأدوية وأنفعها- لكن وددت الحديث هنا عن أمر وراء ذلك، وهو التشابه بين هذا الوباء وريح الخندق لا من حيث التقدير والسبب الغيبي فقط، بل وأثره على المسلمين وبالأخص المجاهدين منهم، فلا تخفى الأزمة الكبيرة التي يعيشها الإسلام في الواقع المعاصر والتضييق الكبير عليه حتى وصل التضييق إلى منابعه في جزيرة العرب، وأيضًا ما تعرض له المجاهدون في إدلب من واقع كاد يصطلمهم، فهل «كورونا» هو ريح عصرنا التي تنقذ الإسلام وتعيد تشكيل العالم من جديد ليبدأ عهد عز وتمكين للمسلمين والمجاهدين؟! الأيام القادمة ستجيب عن هذا السؤال، لكن أيا كانت الإجابة فيجب ألا نُغفل التقدير الغيبي فيما يدور حولنا، بل ويجب أن نعزز هذا التقدير سواء بالدعاء والتوكل ليكون التقدير في صالحنا أو بالعمل المادي على إحداث ذلك كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين أرسل حذيفة ليستطلع خبر الكفار في ريح الخندق وأرسل نعيم بن مسعود ليفسد الاتفاقية التي جرت بين بني قريظة والمشركين.

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق