شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

بين {فرح المخلفون} و{فاضت أعينهم}

0 251

لم تكن العبودية التي هي الحكمة من وجود الثقلين كلمة لا معاني لها في حياة المسلم، بل هي أساس حركته في قيامه وقعوده وحركاته وسكناته {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}، وكما قال ابن القيم رحمه الله: «العبودية طائر في قلب المؤمن رأسه المحبة، وجناحاه الخوف والرجاء»، وعلى نحو هذا المعنى تأسس الجيل الأول الذي حمل راية الإسلام من مشرق الأرض إلى مغربها، وحتى نفهم هذا المعنى ومدى تأثيره في حياة الجيل الأول نقف على هذا المشهد.

يقول الله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون}يا لعظمة هذا المشهد الذي يحكيه رب الجلالة تقدس وتعالى، فكيف أن الإيمان والعبودية التي استقرت في قلوب هؤلاء فاضت أعينهم من الدمع حزناً أنهم لا يجدون راحلة ليشاركوا بها، ولا يجدون مالاً لينفقوه، ففاضت دموع العين لكن على ماذا؟

ما كان هذا المشهد الذي قصه الله تعالى ليكون مجرد قصة نستأنس بها، بل هو موقف نتدبره، ونتأمله لنعمل به، وأعظم ما في هذا التعريج القرآني عن حال المؤمنين الذين فاضت أعينهم من الدمع هو أن نستشعر عظمة العبودية التي استقرت في قلوبهم فصنعتهم على نحو هذه الصنعة العجيبة في تاريخ الحياة البشرية.

الجهاد في سبيل الله تعالى هو أعظم باب تمتحن فيه العبودية، ومقدار وقرها في القلب، وما كان القعود عن الجهاد إلا لاستحكام الرذائل النفسية وتمكنها من القلب، فقلبت له المعاني فانتكس وارتكس.

تأمل قول الله تعالى: {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وقالوا لا تنفروا في الحر} فهؤلاء فرحوا بالقعود، وأولئك فاضت أعينهم حزناً على عدم المشاركة في موقف الحق، فالإيمان عند هؤلاء أفاض الدمع، والنفاق عند هؤلاء أخرج الفرح، وشتان بين هؤلاء وهؤلاء.

ألا يخشى من قعد عن الجهاد أن يكون قعوده ارتكاس وانتكاس عن المعاني الحقيقية التي قررها القرآن؟

ألا يخشى من قعد عن الجهاد خلو قلبه عن المعنى الحقيقي للعبودية التي أرادها الله؟

ألا يخشى من قعد عن الجهاد استحكام النفاق في قلبه فبقي في حمأة الدنيا فرحاً مسروراً؟

ليس هناك جديد في هذه الحياة غير تجدد صورة الصراع بين الإيمان والكفر، صراع بين عباد الله وبين الملأ الذين سحروا أعين الناس واسترهبوهم بباطلهم، وما كان البشر إلا أدوات للخير أو للشر، والمسكين من وقف موقف المتفرج فرحاً بعدم خسارته.

{يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير}.

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق