شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

الوصايا الثلاث

0 406

 

عن أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: يا رسولَ اللهِ، علِّمْني وأوجِزْ، قال: إذا قُمْتَ في صلاتِكَ، فصَلِّ صلاةَ مُودِّعٍ، ولا تَكَلَّمْ بكلامٍ تعتذِرُ منه، وأجمِعِ اليَأْسَ عمَّا في أيدي النَّاسِ. رواه أحمد وصححه الألباني رحمه الله.

حديث عظيم من أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام تتجلى فيها أنوار النبوة وجوامع الكلم وينابيع الحكمة، فقد حوى هذا الحديث على ثلاث وصايا من المناسب أن نلتفت إليها في هذا الزمن الذي كثرت فيه الانشغالات وغفل فيه الناس عن شأن آخرتهم بل ربما انشغلنا نحن العاملين في الميادين الدعوية والجهادية والإدارية عن ذلك بالمفضولات والمطاحنات، فالإنسان بحاجة دوما لتذكير نفسه بهذا المعاني العظيمة لكي ينعش روحه ووجدانه ويجد لنفسه متنفسا إيمانيا في صحراء هذه الحياة القاحلة، ولقد أحسن من قال: حينما تكثر الصوارف، يتأكد التذكير، وحين ينشغل الناس بما خُلق لهم، يحتاجون من يردهم إلى خالقهم.

فالعظة دواءٌ للغفلة، والنصيحة توقظ من الكبوة، من ظنَّ أنه غنيٌّ عن التذكير، فقد قتل نفسه بنفسه، والمترفع عن النصيحة يقود نفسه إلى كل نقيصة، لو استغنى أحد عن النصح والموعظة لكان أولى من يستغني عنها الصحابة رضي الله عنهممع نبيهم صلى الله عليه وسلم، لكنهم أدركوا أهميتها فطلبوها بصريح العبارة، طلبوها مطولة ومختصرة، لأنها حياتهم، وبها تقويم ما اعوج من سلوكهم، فكثُر في كلامهم: «أوصنا يا رسول الله» وفي هذا الحديث ثلاث وصايا:

الوصيَّة الأولى: وصيَّةٌ بالصَّلاة والعناية بها وحسن أدائها.

الوصيَّة الثَّانية: وصيَّةٌ بحفظ اللِّسان وصيانته.

الوصيَّة الثَّالثة: دعوةٌ إلى القناعة وتعلُّق القلب بالله وحده.

يقول السعدي رحمه الله في كتابه القيم بهجة قلوب الأبرار: هذه الوصايا الثلاث يا لها من وصايا، إذا أخذ بها العبد: تمت أموره وأفلح.

الوصية الأولى: تتضمن تكميل الصلاة، والاجتهاد في إيقاعها على أحسن الأحوال. وذلك بأن يحاسب نفسه على كل صلاة يصليها، وأنه سيتم جميع ما فيها: من واجب، وفروض، وسنة، وأن يتحقق بمقام الإحسان الذي هو أعلى المقامات. وذلك بأن يقوم إليها مستحضراً وقوفه بين يدي ربه، وأنه يناجيه بما يقوله، من قراءة وذكر ودعاء ويخضع له في قيامه وركوعه، وسجوده وخفضه ورفعه.

ويعينه على هذا المقصد أن يستحضر في كل صلاة أنها صلاة مودِّع، ومعلوم أن المودع، يجتهد اجتهاداً يبذل فيه كل وسعه، ولا يزال مستصحباً لهذه المعاني، فالصلاة على هذا الوجه: تنهى صاحبها عن كل خلق رذيل، وتحثه على كل خلق جميل؛ لما تؤثره في نفسه من زيادة الإيمان، ونور القلب وسروره، ورغبته التامة في الخير.

وأما الوصية الثانية: فهي حفظ اللسان ومراقبته؛ فإن حفظ اللسان عليه المدار، وهو مِلاك أمر العبد. فمتى ملك العبد لسانه ملك جميع أعضائه. ومتى ملكه لسانه فلم يصنه عن الكلام الضار، فإن أمره يختل في دينه ودنياه. فلا يتكلم بكلام، إلا قد عرف نفعه في دينه أو دنياه. وكل كلام يحتمل أن يكون فيه انتقاد أو اعتذار فليدعه، فإنه إذا تكلم به ملكه الكلام، وصار أسيراً له. وربما أحدث عليه ضرراً لا يتمكن من تلافيه.

وأما الوصية الثالثة:

فهي توطين النفس على التعلق بالله وحده، في أمور معاشه ومعاده، فلا يسأل إلا الله، ولا يطمع إلا في فضله، ويوطن نفسه على اليأس مما في أيدي الناس؛ فإن اليأس عصمة، ومن أيس من شيء استغنى عنه.

فكما أنه لا يسأل بلسانه إلا الله، فلا يعلق قلبه إلا بالله، فيبقى عبداً لله حقيقة، سالماً من عبودية الخلق، قد تحرر من رقِّهم، واكتسب بذلك العز والشرف؛ فإن المتعلق بالخلق يكتسب الذل والسقوط بحسب تعلقه بهم، والله أعلم.

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق