شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

صَنْدَقَةُ العَقْل

1 622

ففي رِحابِ المُحرَّرِ وسعَتِه، وما يخْتَلِجُهُ من لأَواءَ وتآمُرِ البَشَر، وما يصُونُهُ من رَحمةِ الرَّحمنِ ولُطفِه، لا بُدَّ مِنْ وَقفَةٍ معِ النَّفسِ مستَبْرئاً مِن هَواهَا ومَيلِها، مُستَعذِبَاً مرارةَ الرُّجوعِ عنِ أضغاثِ المبادئِ المَوهومَة، أمَامَ نَهضةِ المَشروعِ الأمَل، ونجَاتِهِ مِن كُساحِ البِدايةِ إلى اشتدَادِ عودِه، وكِبَرِ الشَّأن، حتَّى تدِينَ لهُ الرِّقاب…

علَى السَّائرِ المُخلصِ في هذا الدَّربِ أيَّاً كانَ انتماؤُه، مِن طَارِقِ الحدِيدِ في الصِّناعَات، إلى حامِلِ الحَديدِ على الثُّغورِ مُرابِطاً، أنْ يُدرِكَ أنَّنا في بَوتَقةٍ واحدة، فإمَّا تعاضدٌ يتبَعهُ ما يَتبعُه، وإمَّا تَخالفٌ يَتبَعهُ ما يَتبَعُه…

مَنْ حَالَفَهُ الحظُّ من البَشَر قَدْ يُعايشُ بزوغَ حضارةٍ أو اثنتَين، فإمَّا ناظراً لها من بَعيد، يَرى بُرجاً يعلو ويعلو كلَّما مرَّ من جَنبِه، وإمَّا يُكابدُ مَع عُمَّالها رصفَ الحَجَر، وعَرَقَ الحرِّ وتَشَقُّقَ اليدِ في القرٍِ، يستظلُّ في الرَّاحةِ تحت دفِّ الخَشَبِ المَنضُود لرَفعِ الأُسُس، ويَرتوي حينَ الظَّمَأِ مِن مَاءٍ وتُرَبٍ ودَمٍ وعرَق…

أمَامَ المفَاصَلَةِ والمُعارَكةِ لنيلِ فُرصَةِ بناءِ حَضَارةٍ نَرجُوها ولا يرجونَها، ويسُقطُ مِنَّا الشَّهيدُ تِلوَ الشَّهيد، ونَرفَعُ العِمادَ فوقَ العِماد، نَخسَرُ شِقَّاً ونظفَرُ بآخَر، علَينا أنْ نَعيَ مَراحلَنا جَيِّداً، فما يَصلُح منذ سبعةِ أعوامٍ قد لا يَصلُحُ الآن، ونَشوةُ نهِايةِ الإصداراتِ الَّتي نُسَرُّ لرُؤيتِها، والنَّشيدُ الَّذي تُردِّدُهُ الألسنةُ وتأنَسُ الأسماعُ بهِ، لا يَعني نِهايَةَ مرحَلةٍ فضلَاً عن الحَربِ المُستَعرة…

ونحنُ نَرى هَذهِ الأيَّام أزمَةَ العُمْلَةِ الَّتي عَصفَتْ بالاقتصَادِ المحلِّي، مَا أشعَلَ الشَّارعَ غَضَباً، وأشغَلَ المَسؤولينَ بالبحثِ عن الدواء، يُنيرُ لَنا مَعالمَ هَذهِ المرحلةَ أكثرَ، فَلَم تَعُدْ مُشكِلُتنا تُختَصَرُ في جُنودٍ استعْصَوا في نُقطةٍ أو مُجنزَرةٍ تجاوزَت حقلَ الألغامِ بسلام، بِتْنا -حَمَلةَ المشْروع- مَعنيِّينَ بأدقِّ تفاصيلِ حياةِ المُجتَمع حتَّى فِئةُ العُملَةِ الَّتي في جُيوبِ المسلمين…

الحَربُ والسِّلم، القضاءُ والأمن، الاقتِصادُ والخدمات، التَّعليمُ والتوظيف، وغيرُها الكثيرُ من جوانبِ الحياةِ اليوميِّة، أثقَالٌ وأثقَال، تَدفُعَ العُمَّال لأنْ يصونوا ما وَصلُوا إليهِ مِن بِناء، فالخطَأ اليَومَ بعد العُلُوِّ ليس كما بدايةُ النُّهوض أو اكتمالُ الاشتدَاد، علَى العُقولِ أن تَعِيَ كلَّ خُطوةٍ تُخطى وَعي الحَضارةِ والدَّولة، لا وعيَ الجماعةِ والمقرَّات “وهُنا ليسَ من بابِ الاستنقاصِ بل من بابِ لكل مرحلةٍ ما لها”، عليها أن تَعيَ أن استحداثَ كلِّيَّةٍ لاختصاصٍ جديدٍ في الجَامعة تَعني نُقطةً في رصِيدك، وأنَّ رصفَ طريقٍ شمالَ البلاد لا يَقلُّ أهميَّةً عَن وضعِ كيسِ تُرابٍ في “دُشمةٍ” في ثغورِ البلاد “مع جلالةِ وعِظمِ أجرِ المُرابطينَ على الثُّغور ومكانتِهم”، وأنْ تَنظيَمَ مُخيَّماتِ اللَّاجئينَ لا يَعني عملاً في غيرِ وقْتِه أو استسلاماً لفكرةِ “لا عودَةَ للاجئ” بَل هوُ حَجَرٌ في البِناء، وسيعودُ كلُّ مُهجَّرٍ لبيِّته وحَيِّه بإذنِ الله الَّذي أعادَ أهلَ مكَّةَ إلى مكَّة…

أنتَ تُحاربُ في جَميعِ الميادين، تَصدُّ المُعتديَ العَسكري، وتُناورُ سياسيِّاً مقتنِصاً فُرصَك، عَينُك تَحرسُ النَّاسَ في أحيائهم، وتُكافحُ بيدكَ الخَطرَ عنهم، ترفَعُ عِمادَ جامعاتكَ الَّتي تبني العلماءَ لكْ، تَصولُ في أسواقِ الاقتصادِ دفاعاً عن رزقِ مَنْ خلفَك، تَسهرُ وتصحو وأنتَ تخطِّطُ لمُدنكَ وطرقاتِك، كلُّ ذلكَ في سبيلِ الله ونَهضةِ حضارةِ الإسلامِ…

حتَّى تَعودَ لَنا الكرَّة، ونبَقَى في دائرِةِ المُناجزة، ونَدخلَ الأرضَ البَعيدةَ، ونَطرُقَ الأبوابَ على أسرانَا، ونثأرَ لرِفاقنَا الَّذينَ دفنَّاهُم بأيدينا، ووارينَا آخرَ حبَّاتِ الثَرى على ذِكراهُم البَاقية، ويلتَقيَ الوَلَدُ بوالديهِ، والدَّارُ بأحبابِها، والحيُّ بشُبَّانِه، وتَشمخَ المنابِرُ بالسنَّة، عليكَ حتَّى تَغدو تلكَ الأحلامُ حقيقةً وواقعاً، أن تُفكِّرَ خارجَ الصُّندوقِ الَّذي حجزتَ فكركَ فيه، وقيَّدتَ غقلَك بوهمٍ خِلتَهُ أصلاً وعقيدةً ومبدأً وما هو كذلك، سترى عينُكَ ما تحبُّ وما تكرَهُ وكذلكَ سمعُك، لن تنَال المثاليةَ أبداً، فلا مغنمَ بلا مغرَم، إن تتبَّعتَ الفسادَ ستجِدُه، وإن تتبَّعتَ النَّجاحَ ستجِدُه، فلا تقنَط لفسادٍ ولا تغترَّ بنجاح، أبعِدِ اللَّبِنةَ المهترئةَ وإئتِ بالسَّليمة، أخلِص لله، فقد نذرتَ نفسَك، وبايعتَ على الخَير، والله مولانا ولَن يتِرَنا أعمَالَنا…
وللحديثِ عبراتٌ وعبراتٌ يشعُرُ بها أهلُها ولا يألفُ سماعها إلَّا من في قَلبِهِ شُؤم، وعافيةُ الله لا تُحجَبُ عن مُخلِصٍ راجع

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

تعليق 1
  1. عبد الكريم يقول

    السلام عليكم ورحمة الله وبراكاته
    إلى الإدارة..من فضلك ينشر “كلمة إباء” على الموقع مع نص في هنا قسم مقالات رأي أو سيكون من الأفضل إذا قمت بعمل قسم جديد باسم “كلمة إباء”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق