شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

تكريس الواقع انحدار إلى القاع

0 374

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الْأَسْمَاءِ عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَنَحْوَ هَذَا، وَأَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ الْحَارِثُ وَهَمَّامٌ، حَارِثٌ لِدُنْيَاهُ وَلِدِينِهِ وَهَمَّامٌ بِهِمَا، وَشَرٌّ الْأَسْمَاءِ حَرْبٌ وَمُرَّةُ» صححه ابن القيم وحسنه الألباني وأصله عند أحمد وأبو داود.

وذكر أهل العلم أن كون أصدق الأسماء «حارث» و«همام» لأنهما يصفان بدقة حال بني آدم فهم دائمًا في عمل وشغل أو هم بهما.

ولهذا فإن طموح شخص أو جماعة أو دولة إلى الثبات طموح في محال وجري وراء سراب وتعلق بحبال القمر، فالبشر أفرادًا وجماعات –حتمًا- إما في صعود وتقدم أو انحدار وتقهقر، وإن الرضى بالثبات أو الزعم بالوصول إلى الحال المرضية المشبعة لا تعني حتمًا إلا بداية الانحدار الذي لن يقف إلا عند القاع أو عند الاقتناع بأنه يجب العمل مرة أخرى للصعود والبدء في ذلك، وذلك أمر بديهي.

إن التوقف عن العمل للتقدم والصعود يعني حتمًا الانشغال بما يجلب التقهقر والنزول فالإنسان دائمًا وأبدًا حارث وهمام ونفسه حتمًا وبلا ريب إن لم يشغلها بخير وحق، شغلته بشر وباطل، ولهذا يجب على الدول والجماعات والأفراد ألا يغفلوا لحظة عن وضع الخطة تلو الخطة للتطور والتقدم مهما بلغت درجة تطورهم وتقدمهم –في نظرهم- ثم المتابعة الحثيثة لتنفيذ هذه الخطة.

وإذا كان هذا فيمن يظن نفسه قد بلغ الكمال والمنتهى فإن الخطب الجلل أن يقنع بواقعه من يُقر ببعده الكبير عن المثال المرتجى، ويبدأ في تكريسه والتنظير لذلك تحت مسمى الرضى بالمقسوم وأن ليس في الإمكان أبدع مما هو كائن، فإن وصول هذا المغبون إلى القاع أسرع بكثير ومصيبته أعظم وأنكى.

إن كنت قد انتقدت سابقًا أصحاب الأبراج العاجية والمثالية المدمرة والمعادلات الحدية إما صفر وإما واحد إما أبيض وإما أسود ولا شيء بينهما، وما تؤدي إليه مثاليتهم من فوضى وقفز للمجهول وانزلاق من النور الذي فيه ظلمة إلى ظلمة لا نور فيها كما أشار شيخ الإسلام، إلا أن نقيضهم ممن يكرسون الواقع ويقبلونه بعجره وبجره ولا يسعون جاهدين لتطويره وتحسينه على شفى جرف هار يوشك أن ينهار بهم إلى القاع السحيق.

هؤلاء عند التحقيق إخوة وأخلاء أوفياء من حيث النتائج والمآلات لأصحاب المثالية المدمرة وإن كان الأخيرون أسرع في التدمير وأكثر تأجيجًا للفتن فكانت رؤية باطلهم أوضح للنظر وأظهر للعين.

ولهذا فإن منهج أهل الاعتدال والسنة وسط بين الفرق، ليس في مسائل العقيدة فقط بل في أنماط السلوك كذلك، فلا مثالية مدمرة تنطح الواقع فتقتله لتثب إلى مجهول يقضي على كل شيء، ولا واقعية عاجزة رضيت بالدون وسفاسف الأمور فلا تزال في انحدار إلى قعر القاع.

فأهل الاعتدال والسنة دائمًا في هَمٍّ وحرث لمعالي أمور دينهم ودنياهم باذلين في ذلك جهدهم مستنفذين وسعهم محافظين في نفس الوقت على اتزانهم ووسطيتهم.
والحمد لله رب العالمين.

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق