شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

الإشغال

0 171

لا يكون الرجل ناجحاً في حياته حتى يحدد لنفسه هدفاً يناسبه يسعى إليه، دون أن ينشغل عنه ببُنَيَّاتِ الطريق ومنعطفاته.
انشغال الناس عن أهدافهم سببه إما ضعف وتشتت في عزمهم وإرادتهم، وإما إشغال الآخرين لهم؛ رغبة في إفشالهم.
والثاني هو مرادنا؛ وهو الحديث عن ظاهرة الإشغال التي يمارسها أهل السوء لإفشال جنود الحق وصرفهم عن أهدافهم.
كان في مكة رجل من المشركين يُدعى: النضر بن الحارث، وكان عالماً بأحاديث ملوك الفرس، فكان لا يجلس النبي عليه الصلاة والسلام مجلساً لدعوة الناس إلى الإسلام، إلا خَلَفَهُ فيه النضر ليُحدِّثَ الناس عن ملوك الفرس وقصصهم، ثم يقول لهم: بماذا محمد أحسن حديثاً مني؟!
يريد بذلك صرف أذهانهم عن التفكر فيما قاله النبي عليه الصلاة والسلام من ذكر الله والدعوة إليه؛ وذلك بإشغالهم بأحاديث وقصص ملوك الفرس وسفسافها.
كان هذا الإشغال ديدن زعماء قريش، فكانوا يعمدون إلى كل فعل يشغل الناس عن الاستماع إلى القرآن، وقد بيَّن الله منهجهم هذا في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون}.
بقيت ظاهرة الإشغال يتوارثها أهل الباطل جيلاً بعد جيل، ويُطوِّرونها بما يوافق كل عصر ويناسب كل مرحلة.
وهدفهم إشغال الناس عن التوجه لأهداف حقيقية جادة ينتفعون بها في دنياهم وآخرتهم، وصرف أعمارهم في العبث والسفاسف.
ومن وسائلهم في زماننا ما يصنعونه من أفلام ومسلسلات ومباريات ومسابقات وألغاز، وبرامج حوارية وتحليلات سياسية واقتصادية، وإعلانات تسويقية تشويقية تشغل الناس بكل ما هو جديد في الدنيا.
ولا ننسى سباق الحياة في البحث عن العمل والوظيفة ليتسنى للمرء أن يحيا حياة متواضعة يستر بها نفسه وأهله.
طرق كثيرة من الإشغال لا تنتهي عند حد، تجعل المرء ينزلق في دوامة عنيفة تبتلعه دون إمكان منه لمقاومتها، حتى يتفاجأ أخيراً بحياته قد انتهت أو أوشكت دون أن يحقق هدفاً دنيوياً أو أُخروياً، فضلاً عن أن يرسمه ابتداءً!
لهذا ينبغي صرف النفس في أول الطريق وأثنائه عن كل ما يشغلها، وإلا ضاعت حياة المرء وفرصته الوحيدة دون ثمن أو إنجاز.

وينبغي التنبه إلى أن المجاهدين هم أكثر الناس تعرضاً لظاهرة الإشغال، وذلك لِعِظَمِ أهدافهم التي يبغضها شياطين الجن والإنس، فكلما عَظُمَ الهدف عَظُمَت وكَثُرَت وسائل إشغال صاحبه.
ومن أكثر ما يتم إشغال المجاهد به وسائل التواصل الاجتماعي وصفحات النت والتلغرام، فهي مدمرة لأهدافه مُضيِّعة لوقته وعمره، بما يُنشَر فيها من فضول الأخبار والتحليلات ودوامات الشبهات والصراعات الفكرية والمنهجية.
حتى أنها تحولت -كما قال د/ مشعل الفلاحي في كتابه المتميز «التركيز»- من وسائل يمكن أن تدفعنا للبناء إلى عقبات تقف دون كل نجاح!
لو جيء بمريض على وشك الهلاك ووضِعَ في العناية المركَّزة، فلا شك أن الطبيب المعالج سيوليه كل اهتمامه ولن ينشغل عنه بشيء آخر؛ لأنها قضية حياة وإحياء.
وهكذا ينبغي أن يكون المجاهد؛ فمشروعه حياة أمته وهدفه إعادة إحيائها واسترداد أمجادها، فليُطلِّق بُنَيَّاتِ الطريق وينصرف عن السفاسف الملهيات، وليُركِّز على هدفه منطلقاً إليه متوكلاً على ربه.
والحمد لله رب العالمين.

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق