شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

حقيقة النصر والهزيمة

0 654

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد..
بعد انحياز المجاهدين من منطقة أو مدينة من المدن يطغى خطاب اليأس على بعض النفوس و أظن أن سبب طغيانه هو الفهم الخاطئ لمفهومي النصر والهزيمة من قبل هؤلاء..
لذا فإننا اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى أن ندرك حقيقة النصر حيث تُشنّ علينا اليوم حرب معنوية تواصى بها الكفرة وتداعت علينا بها الأمم ويدعمها عيانا العالم بأسره بسكوته تارة وتأييده للمجرمين تارات أخرى .
إن من يعد الانحياز من منطقة كخان شيخون مثلًا هزيمة للمجاهدين ونصرًا للنصيرية المجرمين فقد جانب الصواب ولم يدرك حقيقة النصر التي جاء ذكرها في القرآن والسنة النبوية المطهرة .
ولكي لا نبالغ ولا يُفهم الكلام على غير ما قصدت فالتراجع العسكري من منطقة من المناطق له دلالات على الضعف في جانب من الجوانب وله أسباب يجب أن تُدرس ويتلافى أصحاب المهام أخطاءهم وهذا واجب شرعي عليهم ولكن أن يعده البعض هزيمة كبرى ويُهول الأمر فيتسلل اليأس إلى القلوب وتتحرك مكامن الإحباط في النفوس فهذا ما يجب التحذير منه .
أيها الأحبة: إن النصر الحقيقي هو انتصار المبادئ والقيم والأفكار وليس ما يتوهمه البعض فيخلط مابين مفهومي النصر والسلامة . ولو كانت السلامة هي النصر فإن من انهزموا ولم يكلفوا أنفسهم بجهاد ولا ثورة وبقوا في صف الطواغيت المجرمين لتسلم لهم أموالهم و نفوسهم وأرضهم فهؤلاء منتصرون إذًا !
وفي منطق هؤلاء من فقد ماله وقُتل في سبيل الله وقُصفت داره فقد خسر و هُزم .
كلا إن الهزيمة الحقيقة أن تنهزم نفسيًا فيُدفن الأمل وتخبو الروح ويطغى اليأس والتشاؤم فالجيش القوي المجهز بتجهيزات عالية ويمتلك سلاحًا فتاكًا قد يستطيع أن يقهر قوة مقابله على الأرض ويغلبها عسكرية ولكن الهزيمة العسكرية ليست كفيلة بإنهاء المعركة لأن الهزيمة الحقيقة هي الهزيمة الروحية هي هزيمة النفوس والإرادات وهذه الأخيرة هي الأصعب دومًا لأنك إن أردت احتلال مدينة ما قد لا يطول الأمر لأشهر أما انتزاع المبادئ و كسر الإرادات فقد يجبرك على الانتظار إلى أن ينقضي جيل كامل ويأتي الجيل الذي يليه و ربما تعرف بعد كل هذا أنك لم تستطع أن تحقق النصر المطلوب .
إن الشرع المطهر علمنا حقيقة النصر في القرآن الكريم وفي السنة النبوية وقصة أصحاب الأخدود التي وردت في سورة البروج خير شاهد على ذلك حيث أنهم قتلوا جميعًا بعد إيمانهم بالله تعالى فسماه الله تعالى فوزًا عظيمًا ولسيد قطب رحمه الله في كتابه معالم في الطريق كلامًا نفيسًا خطه حول هذه الآيات في فصل عنونه بــ( هذا هو الطريق ) أدعو القارئ الكريم لقراءته وتأمله ففيه من الدرر مالا تجدها عند غير سيد رحمه الله . وكما علمنا القرآن حقيقة النصر فقد علمنا حقيقة الهزيمة تأمل معي قول الله تعالى : ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . فهذه الصيغة ” إن استطاعوا ” تدلك على شدة المعركة وأن الكافرين سيبذلون كل مستطاعهم وقدرتهم فيها، وفي ظل شدة هذه المعركة من هو الخاسر؟ أهو الذي يخسر ماله أو ولده أو مدينته أو نفسه؟
لا بل الذي يذهب دينه أو يضل عن الطريق القويم هو الخاسر وفي القرآن والسنة الكثير من الشواهد على ذلك .
إن للجماعات والفصائل أحوالًا مع الانحيازات والتراجعات العسكرية فبعضها تقوى بذلك وتشد من عزيمتها وبعضها تنهار أمام ذلك فالجماعة التي تحمل راية الدعوة حقًا يجب أن لا تثنيها الانكسارات والمحن بل تزيدها قوة وصلابة ومن يقرأ التاريخ يعرف كيف بقيت الأمة الإسلامية صامدة صلبة أما الأعاصير التي أرادت أن تفنيها وظل الفرج يخرج لأبناء هذه الأمة من رحم الكرب وتشرق شمس الانتصارات بعد الشدائد والمحن التي تتعرض لها .
إن الله جلَّ وعلا بيّن لنا في كتابه العزيز كيفية التعامل مع التراجعات العسكرية التي تحصل للمسلمين حيث نلاحظ ذلك من خلال المقارنة بين الخطاب القرآني عقب انتصار المسلمين في غزوة بدر وعقب الانكسار العسكري في غزوة أحد .
فالمنتصر غالبًا ما ينسى كثيرًا من أخطائه وعثراته فرحًا بنشوة النصر وهزيمة الخصم بخلاف غيره حيث يعود بنفس محبطة يائسة لا تذكر إلا الأخطاء واللوم والعتاب ولكن القرآن الكريم نزل بغير هذا وفَقِهَه الصحابة الكرام فلم تثنهم المحن ولم تكسرهم الشدائد ، فبعد غزوة بدر وانتصار المسلمين فيها نزلت الآيات مبينة لبعض الأخطاء والثغرات التي حصلت لمعالجتها حيث جاء في بعضها شيء من اللوم والعتاب على الصحابة الذين اختلفوا بشأن الغنائم وآيات أخرى بينت كراهة بعض المسلمين للقتال وأخرى بخصوص فداء الأسرى .

أما في غزوة أحد التي أصاب المسلمين فيها ما أصابهم من الجراح والقتل بل حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصيب فيها وشُج رأسه وكسرت رباعيته فقد نزل الخطاب القرآني مغايرًا لما نزل بعد بدر حيث كان فيه طمأنة لقلوب الصحابة حتى لا يتحول تراجعهم العسكري إلى هزيمة داخلية لهم قال تعالى : (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) وهنا عُلق شرط العلو بالإيمان . ثم علمهم سنن الحياة ومداولة الأيام وما يصيب عدوهم من القرح والجراح مقابل ما أصابهم (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) .
ختامًا : عليك أن تعلم أخي الحبيب أننا لن نأثم إن لم نحرز نصرًا ونحن أحياء فالواجب علينا هو جهاد أعداء الله والوقوف بوجههم ما قدرنا على ذلك وأن ندافع الباطل ونجتهد قدر استطاعتنا برفع الظلم وبسط العدل فهذه هي العبادة المطلوبة منا ونأثم إن تركناها أما قضية تحقيق النصر فلسنا مطالبون بها بحد ذاتها .
والله أعلم والحمد لله رب العالمين

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق