شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

ما ندم من استشار

0 998

الشورى في الإسلام شعيرة عظيمة وقاعدة جليلة من قواعد الشريعة وليست هي من نافلة القول، بل سميت بها إحدى سور القرآن الكريم: سورة الشورى، قال تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ). [الشورى: 36- 38]، والذي يتأمَّل في هذه الآية المباركة، وينظُر في تركيبها -يجد أنَّ الله قد ذكر الشورى – كصفة من صفات عباده – بين ركنيْن أساسيَّين من أركان الإسلام، هما: الصَّلاة، والزَّكاة، وهذا يدلُّ على أهميَّة الشورى التي أمر الله بها رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، مُخاطبًا له: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159].
وإذا كان الله تعالى قد أمر بها نبيه المعصوم المؤيد بالوحي فحري بنا نحن الضعفاء أن نتمسك بها، يقول ابن تيمية – رحمه الله – في كتابه السياسة الشرعية: “قيل: إن الله أمر بالمشاورة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فغيرُه أَوْلى بالمشورة”.
كان عليه الصلاة والسلام يطبق الشورى عمليا فقد روى الشافعي عن أبي هُريرة- رضي الله عنه – قال: “ما رأيتُ أحدًا قطُّ كان أكثرَ مشورةً لأصحابِه من رسول الله- صلَّى الله عليه وسلَّم”؛ لا ننسى كيف كان المصطفى يقول: “أشيروا عليَّ أيُّها الناس”، ومن تتبع سيرته العطرة وجد الشورى في بدر وأحد وما الخندق الإ بمشورة أحد أصحابه.
وعلى هذا النهج سار الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من أهل الخير، ومن أجمع النصوص ما ذكره البخاري رحمه الله بكلمات رائعة تبين ضوابط هذه الشعيرة والسنة النبوية حيث قال في صحيحه “كانت الأئمَّة بعد النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – يستشيرون الأُمَناء من أهل العلم في الأمور المباحة، ليأخذوا بأسهلِها، فإذا وضح الكتاب أو السنَّة لم يتعدَّوه إلى غيره؛ اقتداء بالنبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – ورأى أبو بكر قتالَ مَن منَع الزَّكاة فقال عمر: كيف تقاتل النَّاس وقد قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: “أُمِرْت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إلهَ إلاَّ الله، عصموا منِّي دماءَهم وأموالهم إلاَّ بحقِّها وحسابهم على الله”، فقال أبو بكر: والله لأقاتلنَّ مَن فرَّق بين ما جَمع رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – ثمَّ تابعه بعدُ عمر فلَم يلتفِتْ أبو بكر إلى مشورةٍ إذ كان عنده حكمُ رسول الله – صلَّى الله عليْه وسلَّم – في الَّذين فرَّقوا بين الصَّلاة والزَّكاة، وأرادوا تبديل الدين وأحكامه، وقال النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: “مَن بدَّل دينَه فاقتلوه”، وكان القرَّاء أصحاب مشورةِ عُمر كهولاً كانوا أو شبَّانًا، وكان وقَّافا عند كتاب الله – عزَّ وجلَّ”

هذه هي الشورى بضوابطها وسط بين التفلت والاستبداد،بين الكبت واللامسؤولية يقوم بها أهل الاختصاص والأمانة بكل تجرد ونصيحة.
قال ابن خويز: “واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم مِن أمور الدِّين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتَّاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها، وكان يقال: ما ندم مَن استشار، وكان يقال: مَن أُعجِب برأيه ضلَّ”.

لقد أجمَل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فوائد الشورى، فقال: إنها تكمُنُ في: “استنباط الصواب، واكتساب الرأي، والتحصُّن عن السَّقطة، وحِرْز من الملامة، ونجاة مِن الندامة، وألفة القلوب، واتباع الأثر”.
إن الخطوة المباركة التي قام بها أهل الشام في المحرر من اختيار مجلس شورى لهم خطوة في الاتجاه الصحيح بتعزيز الوحدة وتحقيق الألفة وتحصين الجبهة الداخلية للمضي في معركة التحرير، وتنظيم العمل وتطويره وإشراك الجميع بالمسؤولية عبر التحام الشعب بالمجاهدين وتبادل الآراء وتقليبها لاستمرار معركة البناء، فالشورى لغة من شار العسل وكأن هذا المعنى يلمح إلى خلية النحل وتكاتف الجميع للوصول إلى العسل المصفى من الآراء والمواقف وصدق القائل ما ندم من استشار.

أسأل اللهَ تعالى أن يُلهِمَنا رُشدَنا، وأن يبصِّرَنا بعواقب الأمور؛ حتى لا يطمع فينا عدو، ولا يساء بنا صديق.

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق