شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

الواقعية بين شعيرة التفاؤل وجريمة التشاؤم

0 285

الواقعية السيسة مذهب فكري له جذور قديمة في العلاقات الدولية، يتبنى تقييم الواقع كما هو اعتمادًا على موازين القوى والحقائق المجردة عن الآمال، وقد لاقى رواجًا كبيرًا في العصر الحديث وفي عالمنا الإسلامي الذي غدا مرآة لأفكار الغرب كثمرة نكدة لحالة الهزيمة التي تعصف به.

ترتبط الواقعية السياسية بالتشاؤم وفقدان الأمل، لأن النظر في الواقع يصب في خانة استمرار الوضع على ما هو عليه، بل وانحداره لمزيد من تكريس ضعف الضعيف وفقر الفقير، هذا التشاؤم جريمة مكتملة الأركان خاصة بالنسبة لأهل الإسلام، حيث إن الإسلام دين التفاؤل والأمل.

التقييم الواقعي للإمكانيات والفرص مهم بشرط أن يقترن بما شرعه الدين من تفاؤل وأمل، والمتطلع لنصوص الوحيين يدرك بأقل تأمل أن التفاؤل شعيرة يشرع بثها في المجتمع ككل وعلى مستوى الأفراد، نظم الشرع هذه الشعيرة ووضع الوعود الربانية التي لا تتخلف عمن تمسك بها، وبيّن بيانًا صادقًا نافذًا عاقبتها في الدنيا والآخرة.

لو لم يكن إلا قول نبينا عليه الصلاة والسلام عن ربنا جل وعلا أنا عند ظن عبدي بي” –متفق عليه، لكفى في تمام التفاؤل والأمل المثمر، فظُنّ بالله أنه ناصر المؤمنين ومُمّكن لهم وقاهر أعدائهم جُمع، وظُنّ به أنه شافيك ومعافيك ومبارك في ولدك ومالك، وظُنّ به أنه قابل توبتك وغافر ذنبك ومدخلك الجنة، والله منجز لك هذا كله.

وفي السيرة النبوية خير تطبيق لشعيرة التفاؤل، فعندما يشكو له المسلمون سياط العذاب والقهر في مكة يبشرهم قائلًا: (وَاللهِ، لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ) رواه البخاري.

وعندما يحوط المدينة الكفارُ إحاطة السوار بالمعصم وتبلغ القلوب الحناجر، يبشرهم بفتح الشام هزيمة الإمبراطورية الرومانيةوالإمبراطورية الفارسية واليمن.

ولم يترك نبينا عليه الصلاة والسلام الأمة بعده حتى فتح لها باب الأمل في النصر والتمكين على مصراعيه، ولعل من حكمة تأخر بعض البشارات على مرّ تاريخ الأمة أن تظل أسباب الأمل والتفاؤل إلى آخر الزمان، فبشرنا الصادق المصدوق بالنصر على فارس والروم وتحققت، وبشرنا بفتح القسطنطينية وحدثت وبشرنا بأن يسود ديننا مشارق الأرض ومغاربها كما في صحيح مسلم، وغير ذلك من البشارات ونحن على يقين من تحقق بشاراته كلها.

وعلى الجانب الآخر حذر الشرع من التشاؤم بل وجعله من علامات النفاق قال تعالى:{وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ}،وقال عليه الصلاة والسلام: (لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ، قَالُوا وَمَا الْفَأْلُ قَالَ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ) رواه البخاري.

بيد أن التفاؤل لابد أن يقترن بأخذ ما أمر الله به من أسباب غيبية كالتوكل والدعاء وأسباب مادية، وهذا هو الفارق بين التفاؤل المشروع والغرور المنهي عنه، وهو الفارق بينه وبين فعل اليائسين المغطين فشلهم بستار من إظهار التفاؤل الفارغ الذي لا يقترن بعمل ولا يعترف بواقع.

فالشرع بيّن أن الغالب في المؤمنين أنهم قلة عددا وعدة فهذا واقعلكنه وعدك على هذا الواقع بالنصر والتمكين إن أعددت ما استطعت من أسباب ولو قلّتوتركت المعاصي، فأي أمل وبشرى بعد هذا.

فالمؤمن يحلّق بجسد الواقع في آفاق الحلم بجناحي التفاؤل والأمل، وقوده بشارات الشريعة حاملا على ظهره ما أمر به الشرع من أسباب.

أخيرا.. الحديث عن التفاؤل يُسعد النفس ويشرح الصدر فكيف بتفيؤ ظلاله والتقلب في إهابه والرفل في أكنافه؟

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق