شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

هل إقامة الشريعة هو تطبيق الحدود فقط ؟!

0 711

بسم الله و الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :
إن من الشبه التي عمل أعداء الإسلام على نشرها بعد سقوط الخلافة الإسلامية عام 1924 هي أن شريعة الإسلام لا تصلح للتطبيق في هذا العصر الذي هو عصر التطور والعلم والسرعة كما يدعون وحصروا معنى تطبيقها بقطع يد السارق ورجم الزاني وجلد شارب الخمر وادعوا أنها تتصادم مع الحريات ومستوى الحضارة التي وصل إليها الإنسان في هذا الوقت ومما سهل لهم نشر مثل هذه الادعاءات هو جهل المسلمين بحقيقة الشريعة ومعنى إقامتها حيث أصبح كثير من المسلمين يتصور أن الخلافة الإسلامية إذا أُقيمت وحُكّمت شريعة الله تعالى في الأرض فلن نرَ إلا السيوف المشرعة والسكاكين القاطعة والسياط التي تجلد ظهور الناس في الأسواق وهذا والله انتقاص كبير من قدر الشريعة التي بعث الله تعالى من أجل تبليغها الرسل وأنزل الكتب . ونحن إذ نبين أهمية إدراك الفرق بين إقامة الشريعة وتطبيق الحدود فهذا لا يعني أن ننتقص من قدر الحدود ولا من أهميتها ودورها بضبط المجتمع المسلم بل والمجتمعات التي عاشت تحت ظله قروناً من الزمن .

وإليك أولاً هذه النقاط الخمس التي تبين لنا بعض الفروق بين إقامة الشريعة وتطبيق الحدود :
(1) إن شريعة الإسلام هي مُجمل ما شرعه الله -عز وجل- من الأحكام والشرائع التي تُنظم الحياة بكافة مجالتها حيث تنظم علاقة العبد بربه وعلاقته بالناس من حوله فهي منهج حياة يشمل كافة ما يصدر عن الإنسان من الأقوال والأفعال والمعاملات . والحدود إنما هي عقوبات قُدرت شرعاً لزجر الناس وردعهم عن اقتراف الجرائم ولحصول الأمن وتحقيق العدل .

(2) الحدود والعقوبات جاء بيانها في القرآن الكريم في عشر آيات من أصل ما يزيد على ستة آلاف آية .
(3) الحدود هي آخر ما نزل من التشريع الإسلامي بعد قيام دولة الإسلام في المدينة .
(4) في بعض الأحوال يكون عدم تطبيق الحد من إقامة الشريعة كحرمة تطبيق الحد على السارق في الغزو مثلاً .

(5) إن الحدود شرعت ليُتوصل بها إلى تحقيق العدل وانتشار الأمن وصلاح الناس والتزامهم بدينهم فإن تحقق هذا فهو مراد الشريعة وليس القصد تطبيق الحد نفسه فخلال الأربعين سنة الأولى من الدولة الإسلامية أقيم حد السرقة ست مرات فقط .

 

إن الشريعة الإسلامية نظمت صلة العبد بربه وبإخوانه وبالناس عموما ونظمت الحياة الاقتصادية والسياسية والأخلاقية وأرشدت ووجهت إلى كل مافيه خير ونهت عن كل مافيه شر ثم شُرعت الحدود لزجر من أراد الإخلال بالضروريات الخمس التي بها قوام حياة الناس وهي : حفظ الدين والنفس والعرض والعقل والمال . وقد جاء الإسلام بحفظ هذه الضروريات من جانبين كما بين ذلك الإمام الشاطبي رحمه الله:
الأول : مراعاة حفظها من جانب الوجود حيث شرعت الأحكام التي تؤمِّن وجود هذه المصالح، وتقيم أركانها، وتوفر تحقيق المنافع منها .

الثاني: مراعاة حفظها من جانب العدم بما يدرأ عنها الاختلال حيث شرعت الأحكام التي تحفظ هذه المصالح، وتصونها من الضياع أو الإخلال بها .

والحدود شُرعت لحفظ هذه المقاصد من جانب العدم ( الجانب الثاني) أي أنها لم تُشرع لإقامة حياة الناس إنما لحفظها من الفساد بعد إقامتها .

ولنستعرض معاً بعضاً من الشرائع التي جاء بها الإسلام مع هذه الحدود سواء كانت لحفظ هذه الضروريات من جانب الوجود أو جانب العدم:
• حفظ الدين: فمن الأحكام التي شرعت في هذا الجانب : تحقيق التوحيد ونشره والدعوة إليه وتعلم العلم وإحياء فريضة الجهاد في سبيل الله، لحماية جناب الدين، ومحاربة البدعة والاعتصام بالسنة و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورد الأمر عند النزاع إلى الله ورسوله ، وشرع حد الردة زاجراً للمرء عن ترك دينه بعد أن دخله ويطبق بعد الاستتابة وله ضوابطه أحكامه.

 

• حفظ النفس : فمن الأحكام التي شرعت في هذا الجانب :تعظيم الشرع لحرمة دم المؤمن وكان هدم الكعبة أهون عند الله تعالى من قتل مسلم بغير حق وورد الوعيد الشديد للقاتل المتعمد وشرع دفع الصائل على النفس سواء كان المعتدي حيواناً أو إنساناً وحُرم الانتحار وبُينت عقوبته وحلَّ أكل الميتة في حال الاضطرار لكيلا يؤدي إلى هلاك النفس ونهى عن كل ما فيه إضرار أو إيذاء للنفس ونبه على أمور كثيرة لمنع الخطأ في أذى الآخرين كتعاطي السيف مسلولاً والإشارة بالحديدة كما شرعت الدية والكفارة على القاتل خطأً و القصاص وفق أحكامه كما شرع حد الحرابة لمن يزعزع أمن المسلمين ويقطع عليهم طريقهم ويسلب مالهم ويقتلهم ليمنع التساهل بذلك .

 

حفظ العقل : لقد جعل الله تعالى العقل مناطاً لتكليف الإنسان لذا أمر الشرع على فعل ما يصونه ويحفظه والابتعاد عن كل ما يؤثر عليه حيث اهتم بتنمية العقل في جانب طلب العلم حيث تكررت في القرآن الكريم الإشارة إلى أهمية العقل و مشتقاته حوالي سبعين مرة ناهيك عن الآيات التي تتصل بالعمليات العقلية كالتفكر والتأمل كما حذر الشرع من مفسدة الاتّباع الأعمى وذم تقليد المشركين والكفار لآبائهم وأجدادهم.

وشُرع حد شرب الخمر لما فيه من أضرار وتغييب للعقل وتدمير للجسم.

• حفظ العرض أو النسل: حيث أمر الشرع بغض البصر وشرعت آداب الاستئذان لأن لكل بيت حرمة يجب أن تصان ونهى عن الاختلاط بين الجنسين وحث على العفة والطهارة وأمر بالستر ولبس الخمار ، وحرم الخلوة والتبرج ونهى عن تشبه النساء بالرجال والتخنث للرجال وحرم الإسلام قذف المؤمنات المحصنات وجعل له حداً وشرع حد الزنى بضوابطه وشروطه لكيلا تختلط الأنساب وليكون مانعاً من ارتكاب هذا الذنب العظيم والتعدي على أعراض الناس.

• حفظ المال : حيث أمر بأداء الزكاة والحث على الصدقات وشرعت أحكام اللقطة والضمان والكفالة والرهن وغيرها من أحكام المعاملات والمحافظة على المال ونهى عن الربا و الرشوة والسرقة والغش والتدليس والغبن وجاء الوعيد الشديد على من يأكل المال بالباطل وشرع حد السرقة وجعل له شروطاً إن تحققت حُد السارق حفظاً لأموال المسلمين ومنعاً لانتشار تلك الجريمة التي تهدد أموالهم .

وإن من أهم جوانب إقامة الشريعة التي تغيب عن أذهان كثير من المسلمين اليوم هو تحقيق العدل ونشر التوحيد والوعي بين المسلمين ومن أوجب واجباتها جهاد الطغاة الذين يصدون عن سبيل الله ويحولون بين الناس وبين اعتناق دين الله، حتى تزول فتنة الشرك والكفر وهذا ما توضحه نصوص الشرع من الكتاب والسنة وظهر جلياً في فعل النبي صلى الله عليه وسلم .

فأمة الإسلام اليوم يتحكم بها الطغاة ويسومون أبناءها سوء العذاب ،ولكننا نرى البشريات كل فترة وأخرى تلوح في أفق بلد من بلاد المسلمين يردد شبابه الشعار المبارك: ( الشعب يريد إسقاط النظام ) فرفع هذا الشعار في بلاد المسلمين هو من صلب إقامة الشريعة و هو بداية لتمكينها إن شاء الله تعالى وما سبق إنما هو لبيان أهمية التفريق وليس لبيان الفرق بينهما. والله أعلم.

كتبه لإباء: بلال العكيدي / كاتب وباحث في العلوم الشرعية

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق