شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

البناء العلمي والخصومات النفسية

0 711

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد ..

فالنفس حين الخصومة تجنح، ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من فجورها، لأنها إذا جنحت طغت على العقل واستبدت به فسحبته معها في خصومتها وفجورها، فيأتي العقل مكرهاً ليدلل على صحة ما ذهبت إليه النفس، وهذا ما يقع بين الناس عند الخصومات النفسية التي ظاهرها خلافات علمية، سواء كانت فقهية أو فكرية أو منهجية، وهذا نراه في أدبيات وأطروحات كثير من التيارات والجماعات والمنظرين حين تناحرهم.

ولهذا من سلك سبيل البناء العلمي لنفسه وهو يعيش هذا الجو الفاسد، فإنه لا شك سيبني نفسه على أصول فاسدة وتصورات خاطئة، سيراها علماً متيناً، وهي في الحقيقة خصومات عميقة، فالقوة التي يراها إنما هي في عمق الخصومة لا في متانة العلم؛ لكنه وهم النفس.

ليس القصد الانعزال عن البشر والحياة خارج الكوكب، وإنما المراد عزل النفس عن أجواء الخصومة عند بحث المسائل العلمية، أما طريقة البحث عن الردود السريعة وسط طاحونة الخصومات وتنافر النفوس، فإنه يجعل النفس تجنح للرد الذي ينصرها في خصومتها، دون مراعاة للأصول العلمية الصحيحة، والعقل مستسلم لها في ذلك، لا يملك المقاومة، ولا يجد وقتاً للتفكير أمام طغيانها وهجومها الهادر، ولو عُرِضت هذه الردود على لغة العلم والعقل لسقطت متهافتة، لكنها تعلو وتتفوق بلغة الصراخ وطغيان النفس.

لذلك لا ينبغي لطالب العلم أن يبحث مسائل العلم وهو يعيش خِضَم هذه المعارك النفسية، كما لا ينبغي له أن يقلد ويتبع من يراه يعيش هذه الطواحين الفكرية والمنهجية، لأن تأصيلاته وتقريراته ستأتي عوجاء ولا شك.

تَكُون خصومةٌ بين طرفين، وتنافرٌ نفسي وفكري، فإذا تبنى أحدهما موقفاً سارع الآخر لنقده وتخطئته، فيسارع الأول للرد عليه، وحيال تراشق الردود بينهما قد يعرض لأحدهما نص شرعي أو قاعدة أصولية أو قول علمي يرى فيه موافقة لرأيه وما ذهب إليه، فيسارع لالتقاطه والرد به على خصمه، وهكذا تكتب الردود “العلمية” و “الأبحاث” الخصومية سريعاً، دون تمحيص وتدقيق وتحقيق علمي، كما هي عادة أهل العلم الراسخين، إذ الحرب الشعواء بين الطرفين لا تحتمل البحث العلمي الهادئ، فهي بحاجة للردود السريعة العنيفة، كما هو الحال عند الاشتباك المحتدم بين جيشين، حيث لابد من جاهزية الرد العسكري السريع، والعنيف؛ لقمع العدو، أما بحث الخطط العسكرية المحكمة فلا محل له هنا.

ومثل هذا من يسأل: كيف نرد على من يقول كذا؟، فهو لا يبحث عن الحق، بل يبحث عن الرد!.

وهكذا تُبنى الأفكار سريعاً في مثل هذه المعمعات قبل أن تنضج في عقول أصحابها، وقبل أن تأخذ حقها من البحث والنقد العلمي اللازم؛ كالطاهي الذي يطهو الوجبات سريعاً دون تأنٍ في تقدير الوقت والمقادير اللازمة وإجراءات الطبخ الضرورية، فيخرج الطعام فاسداً، لكن الهالك من الجوع يستلذ به، وربما رآه أفضل ما أكله في حياته!، متوهماً أنه مستمتع بمذاق الطعام الشهي، والحقيقة أنه مستمتع بإسكات صراخ الجوع الذي ينهش معدته.

وكذلك صاحب الخصومات النفسية يستمتع بهذه الردود السريعة التي لم تنضج، ولم تخضع لمعايير البحث العلمي الصحيح، ويراها أبحاثاً علمية “كاسحة”، وحقيقتها أنها أحرف فاسدة كتبتها شهوة الغضب قبل أن تنضج، ويظن الخصم ومناصره أنه يستمتع بقوة ومتانة البحث العلمي، والحقيقة أنه مستمتع بإشباع رغبات نفسه الجامحة في الرد على الخصم والانتصار ضده، بل والانتقام منه!
والقصد أن شهوة الخصومة تُفقد صاحبها التمييز بين التصورات، كما تُفقد شهوة الجوع صاحبها التمييز بين المذاقات.

وهذا الجائع المستمتع بالطعام الفاسد لو عُرِض عليه نفس الطعام في غير حال الجوع المهلك لعافه وذهب عنه، وكذلك صاحب الخصومة لو رأى في حال عقله وهدوئه ما استمتع به من كلام وردود حال خصومته لعافه وأعرض عنه، وربما ذمه وحذر منه.

كتابة الأبحاث العلمية الصحيحة تستغرق أسابيع وربما أشهر، وبعض طلبة العلم يقضي سنين في كتابة وتنقيح بحث ما قبل نشره للناس. هذه المدة ليست لأجل كتابة الأحرف والكلمات، فهذه يسعها أيام حال اكتمال ونضوج الفكرة، لكنها لأجل إتقان البحث والنظر العلمي وضبط التقعيد والتأصيل.

ومثل هذا يحصل بين الأئمة الكبار، كما ذكر مالك عن نفسه أنه قلَّب النظر في مسألةٍ بضع عشرة سنة، فما اتفق له فيها رأي، وكذلك ذكر أحمد أنه نظر في بعض مسائل العلم ثلاث سنوات قبل أن يقول فيها رأياً، وهكذا يكون النظر العلمي في المسائل، فيأتي البحث عميقاً متيناً متماسكاً، يقرؤه العاقل فيمتلئ به عقلاً ونفساً، كالطبخ الناضج حين يأكله صاحب المذاق السليم فيحصل له به غاية الاستمتاع.

وإذا كان الفقهاء ينهون عن بناء الطالب علمياً وتربوياً وسط الخلافات الفقهية المبنية على العلم والأدب والخالية من التشنج والغضب، خوفاً عليه من التحيز والتعصب الذي يغلب على نفسه الجاهلة المقلدة، وكذلك خوفاً عليه من التشتت والضياع بين الخلاف، فمن باب أولى النهي عن البناء العلمي وسط الخصومات والمعارك النفسية.

وإذا كان هذا يقال في حق طالب العلم، فهو لا شك أولى وآكد في حق العامي البسيط المقلد.
والحمد لله رب العالمين.

كتبه لإباء: أنس خطَّاب/شرعي في هيئة تحرير الشام

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق