شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

فكفرت بأَنْعُمِ الله ..!

0 285

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .. وبعد؛

{وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُون}.
هذه الآية يضرب الله فيها مثلاً لمن يتسخط عند رؤية نعمه، والأصل أن المرء يحمد ربه ويشكره عند حصول النعمة، ويصبر عند الضيق والبلاء، وبعض الناس يتسخط عند وقوع البلاء عليه، وهذا قد يفهمه العقل، وإن لم يقره الشرع.
لكن الذي لا يفهمه العقل ولا يقره الشرع هو تسخط المرء عند حصول النعمة!

وهذا حاله كالقوم الذين ذكرهم الله في قوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِين . فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ}.
هذه حالة يبغضها الله سبحانه وتعالى، وقد ذكرها مثلاً في القرآن ليُحذر عباده من الوقوع في مثلها، وهي صورة تنفر وتشمئز منها النفس البشرية، إذ النفس بفطرتها تمتعض ممن يقع منه التسخط مقام الحمد والشكر.

نرى اليوم مثل هذه الصورة في ساحة الشام، فقد أنعم الله على المجاهدين بفترة هدوء واستقرار، يتمكنون فيها من التقاط أنفاسهم وترتيب صفوفهم وإعادة تدريب وتطوير وتكثير جنودهم، والارتقاء بأحوالهم العسكرية والإيمانية والتنظيمية، ومعالجة قلة مواردهم المالية، وضبط أمن مناطقهم، وتطوير منظومة الحكم والقضاء، والاهتمام بنشر العلم والدعوة، والعمل على تحقيق مصالح المسلمين، وغيرها من الأعمال العظيمة التي هي في دين الله من مقاصد الجهاد وثمراته.

وقد رأينا ثمرة الاستفادة من هذا الهدوء في حالة هروب المجرمين من السجن الأمني المركزي بمدينة إدلب بعد قصف الروس له بالأمس، وكيف تعامل المجاهدون معها وعالجوها بسرعة فائقة تستحق الاحترام والتقدير.
ولا شك أن نعمة الهدوء هذه من المقامات الموجبة للحمد والشكر لله سبحانه وتعالى، إذ ما من جماعة مقاتلة إلا وهي بحاجة للراحة والتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الصفوف للانطلاق من جديد.

لكن يأبى بعض الناس إلا أن يتسخط على نعم الله كما يتسخط على بلائه!، وهذا من الشر الكامن في النفوس، وهؤلاء يجب عليهم مراجعة أنفسهم ومحاسبتها، وإلا فيُخشى عليهم من موقف القيامة بين يدي الله عز وجل، كما يُخشى عليهم في الدنيا أن يجعلهم الله أحاديث ويمزقهم كل ممزق بعد أن يذيقهم لباس الجوع والخوف.

لو أن رجلاً من الناس التحق بمسابقة لركض المسافات الطويلة، فقررت لجنة التحكيم إعطاء المتسابقين استراحة قدرها خمس دقائق مثلا، بعد كل واحد كيلومتر، على أن ينتهي السباق بعد عشرة كيلومترات، لشكرها الجميع، ولو اعترض أحدهم وتسخط لعدَّه الناس مجنوناً.

نرى اليوم طالبان وهي تثخن في العدو الأمريكي وتذيقه الويلات، بعد أن أنعم الله عليها بفترة هدوء كالتي نعيشها اليوم في الشام، بينما كانت الشام -حينذاك- مليئة بالمعارك الطاحنة الشرسة دون توقف.
لكن طالبان لم تتسخط على نعمة الله عليها كما يفعل البعض، ولم تقارن هدوءها بملاحم الشام، بل استفادت من هذا الهدوء القدري في ترتيب صفوفها وتطوير قدراتها، حتى جاء المحك فجعلت من أمريكا عبرة وآية، وتسببت بعملياتها ضدها في شفاء صدور قوم مؤمنين، كما رأينا في الملحمة العظيمة في قاعدة “شوراب” الجوية.

هذه سنة الله في الجهاد، معارك طاحنة يبتلي الله بها عباده المجاهدين، ثم هدوء واستقرار يبتليهم به كذلك، ثم ملاحم إيمانية للابتلاء، ثم هدوء واستقرار للابتلاء كذلك، وهكذا يرتقي الله بعباده المتقين، حتى يفتح عليهم أخيراً بالنصر والتمكين.
وهكذا كانت سيرة النبي ﷺ لمن تأملها، فبين الغزوات والسرايا يأتي الهدوء والاستقرار لترتيب الصفوف وتنظيم المجتمع.

ونحن اليوم إذ نعيش هذا الهدوء والاستقرار الجزئي في ساحة الشام، نعلم يقيناً أنها ليست نهاية المطاف، وأن المعارك الطاحنة الشرسة قادمة لا محالة -بإذن الله-، وأنها ستكون ملاحم إيمانية كملاحم إدلب والعيس وغيرها، ملاحم يتغنى بها عباد الله وأولياؤه الصالحين، وتَكفَهِرُ لها وجوه المنافقين والمرجفين والمخذلين، ويكشف الله بها سوء ظن الطاعنين والشامتين.
فاستبشروا إنا مستبشرون.
والحمد لله رب العالمين ..

كبته: أنس خطاب / شرعي في هيئة تحرير الشام

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق