شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

التحولات الأخلاقية

0 575

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد:

يلتزم أحدهم طريق الهداية، ويتحلى بمحاسن الأخلاق، لكنه عند الخصومة تنقلب أخلاقه للنقيض!
ينتقل من الجماعة التي عَمِلَ معها أو أيدها وناصرها إلى جماعة أخرى مخالفة لها، يريد بهذا الانتقال الاقتراب من الحق والسنة -حسب ظنه-، فتنقلب أخلاقه رأساً على عقب!
فتجده بعد أن كان مثالاً في الخلق والأدب والصمت وحسن الحديث، إذ به قد انقلب سباباً شتاماً مغتاباً للمسلمين طاعناً في دينهم فاجراً في خصومته معهم؛ إلى آخر ما نراه من ظواهر مشينة تأباها المروءة قبل الدين.
هذه التحولات الأخلاقية هي آفة تنتشر داخل الصف الإسلامي بمختلف تياراته وجماعاته، وإن اختلف قدرها من جماعة لأخرى، ومن شخص لآخر .. كلٌّ حسب ما يختار لنفسه من دوافع وكوابح.
هذه التحولات الأخلاقية وإن لم ينتبه أصحابها لها، بل وقد يتوهم أصحابها أنها ثمرة تحولهم إلى الحق والسنة!، إلا أنها حقيقةً تبتعد بصاحبها عن الحق والسنة!
فاقتراب المرء من الحق والسنة لا يكون بمصاحبته للمتمسكين بهما، ولا بتقرير قواعدهما وأحكامهما النظرية، وإنما يكون بتمسكه هو بالسنة وأخلاقها.
فقد جعل النبي ﷺ أمر الأخلاق من أسباب بعثته، كما في قوله: {إِنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلَاقِ}.
وجعل حسن الخلق معياراً أصيلاً في الخيرية، وذلك كما في البخاري ومسلم: {إِنَّ خِيَارَكُم أَحَاسِنُكُم أَخَلاقاً}.
كما جعله كذلك معياراً أصيلاً -وإن لم يكن وحيداً- في الاقتراب من السنة، والعكس بالعكس، فقال كما في صحيح ابن حبان: {إِنَّ أَحَبَّكُم إِليَّ وَأَقرَبَكُم مِنِّي فِي الآخِرَةِ أَحَاسِنُكُم أَخْلاقَاً، وَإِنَّ أَبْغَضَكُم إِليَّ وَأَبعَدَكُم مِنِّي فِي الآخِرَةِ أَسْوَؤُكُم أَخْلاقَاً؛ الـمُتَشَدِّقُونَ الـمُتَفَيْهِقُونَ الثَّرثَارُونَ}.
والاقتراب من النبي ﷺ هو اقتراب من سنته ولا شك، والابتعاد عنه هو ابتعاد عن سنته، ودليل ذلك ما جاء في البخاري ومسلم من حديث الحوض، أنه يأتي على الحوض أناس يعرفهم النبي ﷺ ويعرفونه، ثم يحال بينهم وبينه، ويقال له: (إنك لا تدري ما بدلوا بعدك)، فيقول ﷺ: {سُحقَاً سُحقَاً لِـمَنْ بَدَّلَ بَعدِي}.
فقد أُبعد هؤلاء عن النبي ﷺ وحيل بينهم وبينه لأنهم بدلوا وغيروا وابتعدوا عن هديه وسنته.
وقد كانت التحولات الأخلاقية موجودة في حياة الصحابة رضي الله عنهم، لكنها على صورة مناقضة لتلك التي نراها اليوم داخل بعض شرائح الصف الإسلامي، ومثال ذلك ما جاء في حوار جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه مع النجاشي؛ من قوله: (أيها الملك كنا قوماً أهلَ جاهليةٍ؛ نعبدُ الأصنامَ ونأكلُ الميتةَ ونأتي الفواحشَ ونقطعُ الأرحامَ ونُسيءُ الجوارَ ويأكلُ القويُّ منا الضعيفَ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا؛ نعرفُ نسبَهُ وصِدقَهُ وأمانَتَهُ وعفافَهُ، فدعانا إلى الله عز وجل؛ لنوحدهُ ونعبدهُ ونخلعَ ما كنا نعبدُ نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارةِ والأوثانِ، وأمرنا بصدقِ الحديثِ وأداءِ الأمانةِ وصلةِ الرحمِ وحُسنِ الجوارِ والكفِّ عن المحارمِ والدماءِ، ونهانا عن الفواحشِ وشهادةِ الزورِ وأكلِ مالِ اليتيمِ وقذفِ المحصنة، وأمرنا أن نعبدَ اللهَ لا نُشركُ به شيئاً وإقامَ الصلاةِ وإيتاءَ الزكاةِ -قالت: فعدَّدَ عليه أمورَ الإسلام-، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به).
وهذا يبين الفارق الضخم والبون الشاسع بين التحولات الأخلاقية عند السلف، وبينها في واقعنا المعاصر!
فهؤلاء اتبعوا رسول الله ﷺ فحسُنت أخلاقهم، وأولئك توهموا اتباعه فساءت أخلاقهم!

والحمد لله رب العالمين ..

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق