شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

بين السنّة والطفرة

0 683

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

خلق الله الخلق، وجعل لهذا الخلق سنناً قدرية كونية، ذكرها سبحانه في كتابه في غير ما موضع، كقوله تعالى: (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) [فاطر: 43] وهذا من قواعد سير المخلوقات في الوجود.

وأما الطفرات: فهي الاستثناء، وليست القاعدة العامة لسير الوجود، ولهذا كانت المعجزات والكرامات -على عظمها وفضل من أجراها الله على يديه- لا تمثل القاعدة العامة في الخلق، والأسوة والقدوة برسول الله صلى الله عليه وسلم والصالحين من بعده تتحصل باتباعهم في أخذهم بقواعد سنن الوجود، وأما المعجزة والكرامة فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

إن هذا الوجود قائم على الأخذ بالسنن لا على جعل الطفرات هي سنة الوجود، ولهذا لو أردنا الحديث عن مفاسد برامج الأطفال، فإننا نجد علماء النفس والتربية يحذرون من مفاسدها على الجانب الأخلاقي والتربوي، حيث تجد فيها الموسيقى واللباس غير اللائق والاختلاط ونحو ذلك، ومن أهل العلم من يركز على جوانب الانحراف العقدي الذي تتضمنه تلك البرامج، كقيام الكثير منها على تنازع قوى الخير والشر أو النور والظلمة بما يحاكي اعتقادات الثنوية، غير أن من أسوأ ما في برامج الأطفال هو بناء ثقافة الأكشن والطفرات في عقلية ونفسية وشخصية الطفل، مما يشوه تصوره عن الكون والحياة وقواعد الوجود، فينشأ الطفل متصوراً أن هذا الوجود قائم على سنة الطفرة التي يراها في برامج الأكشن والسوبر مان وما شاكلها، فيتشوه لديه فهم قواعد الحياة وسننها، ويخيل إليه أن الطفرة هي السنة الثابتة، ثم يكبر وتبقى لديه طريقة التفكير تلك.

كوننا في سياق الجهاد فإننا نقول: كثير من النافرين للجهاد يحب جهاد الأكشن، ويفكر بعقلية الطفرة دون مراعاة للسنن ولا للواقع ولا لتغير الظروف، فهو يريد للمشروع الجهادي أن يبلغ غاياته ومقاصده تماماً كما يبلغها بطل الأكشن في أفلام الأطفال والسوبر مان، وينسى هؤلاء أن هذه المشاريع ما لم تراع سنن الخلق والوجود فإنها ستصطدم بتلك القواعد والسنن، وإن الاصطدام بها دون مراعاتها يعني أن تطحنه السنن تماماً كما حدث مع الخوارج الجدد، فقد آتاهم الله من القدرة والمقومات ما لو استثمر بشكل سنني ورتب بشكل سنني لأنتج قوة ودولة لها من مقومات البقاء ما يعني استمرارها لمدة غير قليلة، برغم عداوة الكفار لأهل الإسلام.

إن من ينظر في سنة الله المتعلقة بخلق الثمار مثلاً، يجد أن سنته سبحانه قد تدرجت بالثمرة، بدءاً من كونها بذرة مروراً بكونها نبتة، فشجيرة فشجرة وصولاً للثمرة، التي تتدرج بدورها من اللقاح إلى النضوج، رغم قدرته تعالى أن يخرج الثمرة بكلمة كن، إلا أن هذا من حكم الوجود والخلق التي بثها سبحانه بيننا للتفكر والتعلم والاعتبار والاستفادة.

إن من ينظر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تمثل بمجموعها دورة تاريخية من دورات تاريخ الدعوات لا تختلف في قواعدها والعوارض التي اعترضتها، عن أي دورة من دورات التاريخ البشري من حيث خضوعها أو أخذها بسنن الكون والتاريخ، يجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مر بمراحل عديدة.. فقد مرّ بالحصار ثم انفرج الحصار ومرّ بمرحلة الهجرة لأكثر من مرة، كما مرّ ببدر حيث الانتصار وبأحُد حيث الانكسار دون انكسار الإرادة كما في حمراء الأسد، ثم مرّ بالخندق حيث تحزبت الأحزاب وبلغت القلوب الحناجر ثم فرجت الكربة مع كامل الأخذ بالأسباب وكامل التوكل والاعتماد على الله وكامل اليقين وحسن الظن به، ثم كانت مرحلة: الآن نغزوهم ولا يغزوننا، ثم كان الصلح ثم الفتح ثم دانت الجزيرة لدولة المدينة النبوية، على صاحبها أزكى الصلاة وأعطر السلام.
إن من ينظر في معركة حطين يراها قطفاً لثمار جهود من سبق بطلها صلاح الدين رحمه الله، تلك الجهود المتراكمة والتي تعود لعشرات السنين قبل حطين، في تدرج سنني دون قفز عليها.

نحتاج اليوم في جهادنا إلى عقلية الأخذ بالسنن وفهم قواعد الوجود بعيداً عن الاستعجال والطفرة والأكشن، لأن الطفرة لو حدثت فسرعان ما تذهب وتنقضي كالفقاعة -حاشا المعجزات والكرامات- لكن أكبر كرامة يمكن أن يتأملها المرء للجيل الأول هي كرامة توفيقهم للأخذ بالسنن الكونية والشرعية التي أسقطت لهم امبراطوريتي الروم والفرس في غضون سنوات والحمد لله رب العالمين.

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق