شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

شيء من مقاربة فقه النوازل

0 320

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وبعد:
النوازل التي تمر بالأمة بشكل عام وبالساحة الجهادية والثورية، تحتاج إلى طريقة مقاربة سنية راشدة، فالنوازل هي القضايا الطارئة الحادثة التي تنزل في مجتمع معين ويحتاج فيها إلى معرفة الحكم الشرعي المناسب، ولا شك أن لكل نازلة حكمها الشرعي الذي يجب على من ابتلي بها أن يسارع إلى معرفته والسؤال عنه كما يجب على أهل العلم والفتوى أن يجيبوا عن هذه النوازل بضوابط الفتوى لأن تبيينها من الفروض.
لكن لا بد أن نعلم أن هنالك منهجًا سنيًا متبعًا في مقاربة هذه النوازل من عهد الصحابة رضي الله عنهم، ولسنا هنا في صدد تفصيله لأن محل بحثه طويل الذيل، ولكننا ننبه إلى وجود هذه المقاربة وعندما لا تقارب النازلة بهذه الطريقة فسيحدث الخلل وربما تحدث الفتن والمفاسد والبلايا، ومقام الفتوى مقام خطير كما قال الإمام النووي في مقدمة كتاب “المجموع شرح المهذب”: “اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر،‏ كبير الموقع،‏ كثير الفضل، لأن المفتي وارث الأنبياء ‌‏-صلوات الله وسلامه عليهم‏-‏ وقائم بفرض الكفاية ولكنه معرض للخطأ، ولهذا قالوا:‏ المفتي موقع عن الله تعالى”.
وأهم قضيتين نلفت النظر إلى ملاحظتها لما لها من الأثر البالغ هما الآتي :

القضية الأولى: ضرورة تصور الواقع تصورًا دقيقًا بعيدًا عن السطحية، فربما يتصور البعض الواقع من خلال زاوية أو ربما نقل عن معين أو ربما يشاع في الأخبار والأنباء والمواقع أو ربما يجنح المرء إلى التحليل النفسي أكثر من التوصيف الواقعي مع وجود البعد الشخصي والآراء المسبقة لفرض رؤية معينة، وهنا لا بد من وجود مراكز أبحاث ودراسات تدرس الواقع وتشرحه وتستعين بالخبراء والاختصاصيين وتقوم بالسبر وجمع المعلومات ومقارنتها للوصول إلى التصور الأقرب والأرجح، وهنا نشير إلى أن الأمة الإسلامية كانت رائدة في هذا المنهج وما علم الحديث ودراسة الطرق والروايات ومقارنتها إلا مرسخ للدقة والموضوعية في هذا الباب، وهذا العلم مع غيره يعطينا فكرة عن الوسائل اللازمة اتباعها للوصول للحقيقة.
عن جعفر بن برقان رحمه الله أنّ عمر رضي الله عنه، كتب إلى معاويةَ رضي الله عنه يعاتِبُهُ في التّأنّي، فكتب إليه معاوية: «أمّا بعد.. فإنّ التّفهّم في الخبر زيادةٌ ورُشْدٌ، وإنّ الرّشيد من رَشَدَ عن العجلة، وإنّ الخائب من خاب عن الأناة، وإنّ المتثبِّت مصيبٌ أو كاد أن يكون مصيبًا، وإنّ العَجِلَ مخطئٌ أو كاد أن يكونَ مخطئًا، وإنّ من لا ينفعُهُ الرِّفقُ يضيره الخرْقُ، ومن لا تنفعه التّجاربُ لا يدرِك المعالي».

القضية الثانية: تفعيل الفتوى الجماعية في النوازل، لأن من شأن الفتاوى الفردية أن تزيد فيها نسبة الخطأ والخلل والارتجال، هذا مع ضعف الاجتهاد وقلة أهل العلم مما يجعل الحاجة ملحة إلى تفعيل هذا النوع من الفتوى بل جعله أقرب للضرورة متجه وخاصة في قضايا الشأن العام التي تعم بها البلوى، فالفتوى الجماعية أقرب للحق وأبعد عن الهوى وأجمع للعلم وأدعى لاستجابة الناس، وهذا كان منهج الصحابة والعلماء حتى في القضايا العادية فضلا عن القضايا العامة، حيث كان الصديق أبو بكر رضي الله عنه يجمع رؤوس الناس وخيارهم ويستشيرهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به كما في حديث الدارمي، وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ربما يجمع للقضية أهل بدر ومشيخة المهاجرين والأنصار، وكذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان يستشير عشرة من فقهاء المدينة.
هذا وللحديث بقية في فتح بعض آفاقه في نافذة قادمة إن يسر الله تعالى.

 

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق