شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

طَريقُ القُدس، يمرُّ مِن شوارعِ القاهِرة وحلَب..

0 332

“طَريقُ القُدس، يمرُّ مِن شوارعِ القاهِرة” هكذا قالَ المزاودونَ -الذينَ لم يعبأ بهمُ التَّاريخ- عندما اشتَعلت شوارعُ القاهرةِ ناراً بينَ جندِ صلاحِ الدِّين الأيوبيِّ وبين حاشيةِ الملك الفاطميِّ آنذاك..

كذلك قالوا: “كيفَ لِمنِ ائتمناهُ على وزارةِ الدولةِ “الفاطمية” أن يغدُرَ بنا، كيف والصليبيونَ بيدهمُ المقدِس ويحشدونَ لمِصر ويتآمرونَ مع البيزنطيين، وصلاحُ يُحرِّكُ الأرتال ويُحشِّدُ الجنودَ في شوارعِ المسلمينَ ليُقاتلَ “المسلمين”، لقَد قَتَلَ المصريُّ العربيُّ المصريَّ العربيَّ لأجلِ كُرديٍّ عراقيٍّ صاحبِ شهوةِ سلطة!، لقد خَسِرَ الآلاف مِنَ المقاتلينَ في معاركَ حارقة، إنَّها العَمالة والجَهالة، إنَّها…”

وهكذا على مرِّ التَّاريخِ، فلا صعودَ للقمَّة دون أن تُلقى الأحجارُ من الذينَ لا شُغل لهم إلَّا الهدم والتخريب، وتُوضع العثراتُ أمامَ هِمَمِ الصاعدين، فمَن التفتَ للهاويةِ واستمعَ للصدى المقيتِ يوماً لن يصلَ القِمَّة، وهكذا كانَ صلاح الدِّين..

سلسلةُ الجِهادِ التي تناقلتها ما يزيد عن مئتي سنة ممهورةً بالدمِّ حتَّى وصَلتْ لصلاحِ الدين لم يكن ليرمِيها في سذاجةٍ مقيتة وورعٍ بارد، فقَد فتَكَت الأنانية السياسيَّةُ في عَضُدِ الدولةِ في مصر، وبانَ عور السلطةِ الحاكمة بتواترِ المراسلاتِ والمكاتباتِ مع العدو، التي وسَّعوا لهم بها المطامِع، وزينوا لهم الإقدام والقدوم، وخلعوا بها عزَّة الإسلامِ والجِهاد..
ولم تنتهِ سيرةُ صلاحِ الدِّين بزوالِ الفاطميين، فأمامه الشَّامُ الَّتي تعاهدَ مع سلطانه “نور الدِّين الزنكي” يوماً أن القضاءَ على الصليبين وتحريرِ الأقصى والسَّاحل الشَّاميِّ يكونُ بتوحيدِ الشَّام ومِصر..
ولكنَّ وفاةَ نور الدِّينِ المفاجئة حالَت دونَ الوصول للغاية إلَّا بالطريقةِ الصعبةِ على قلب صلاحِ الدِّين !..
فقد ورَّث نورُ الدِّين خلفَه ابنهُ الصغير الصالح إسماعيل في حلب وسطَ أطماعِ الوزراءِ من الدولةِ الزنكية..
فما كان صلاحُ الدِّين ليتركَ جهادَ سنواتٍ تضيع من أجلِ أطماع الوزراء بعدما بدأت بعض المدن يدخلها الصليبيون دون قتالٍ في إمارة دمشق وحلب وبتسهيلٍ من ولاتها، فقام صلاح يحشدُ جنده ليدخلَ الشَّام أرض سلطانه نور الدِّين محمود بالقوَّة فدخل دمشقَ وحمصَ دون قتال، واستعصَت حلب كونها معقلُ الدولةِ الزنكيَّة وخسر الخيرة من المقاتلين، وما فتئ صلاحُ الدِّين يكرر “أننا لم نأتِ لنخطف مملكةً لأنفسنا، بل لنعليَ رايةَ الجِهاد” فدخلَ صلاحُ الدِّين حلبَ بعد ما يقاربُ العامين ولم يرو أنَّهُ تعرَّضَ لأحدٍ من أهلها رغم موالاتهم للدولةِ الزنكيِّة..

وخلالَ قتالِ الدولة الزنكيِّة في حلب، ما كان للمزاودين إلَّا أن يبحثوا عن مكانٍ لهم، ليلقوا بشبهاتهم، وقالوا في صلاح الدِّين ما قالوا وألحقوا من الإهانات فيه الكثير فقالوا: “كلبٌ ينبحُ على سيده” وقالوا: “قاتلَ دولتنا التي عاشَ في أكنافها” و “أصدقاءُ الأمس، أعداءُ اليوم” و “هادنَ الصليبين ليقاتلَ المسلمينَ في حلب”و “لقد بغى علينا بعدما بغى على مصر، وطريق القدس يمر من حلب”، وكلُّ ذلك لم يثن صلاح عن غايته، فلم يرد ملكاً ولم يرد سلطةً، بل أرادَ جهادً تعلو به كلمة الإسلام وتُسترَدُّ بهِ الأرض..

وصارَ الحُكمُ إلى صلاح الدّينِ وتوحدَّت الشَّامُ ومِصر بعونِ الله على يدِه، فأضحى الدِّين واحداً، وبدعَةُ التفرُّقِ خاشعة، والمذلَّةُ في شيعِ الضلالةِ شائِعة، واستتبَّ لهُ الأمرُ في الشرقِ والغرب، فما أضاعَ لحظةً في هدوءٍ أو راجياً الدَّعة والسَّلامة بلَ كانت سنِّيُ صلاح وجنده قبلَ حطين ملأى بالإعدادِ، ورصِّ الصفوف وتجهيزِ الجيوش..
إنَّ حِطين الَّتي دخلَها جند صلاحَ ويتغنَّى بها المسلمونَ اليومَ، وينتظرونَ قدومها مرَّةً ثانية، لم تأت كرامةً في لحظتِها ولم تَهطل من السماء، بل كانت سلسلةً من المحنِ والمصاعبِ حملَهَا أهل السنة جمْعاً عن جَمْع، قاتلوا فيها الصليبينَ وأشياعهم وبعدَ أن غالبَهم القريبُ قبل البعيد، حتى فُتحتْ لهم الأرض وخضعت لشرع الله..

دخلَ صلاحُ حطِّين ودخلَ معهُ من إخوانِه الذين خذلوهُ يوماً حينما قاتلَ الفاطميين وحينما قاتل الدولةَ الزنكيَّة في حلب وقعدوا عن نصرتهِ رغم غايتهِ النبيلة التي ما فتِئ يبديها لهم، دخلوا وتجمعهم راية الجهاد في سبيل الله تعالى، في روايةٍ سطرت بالدَّم لإحدى أعظمِ انتصاراتِ الإسلام عبر التَّاريخ..

إنَّ مجريات الأحداثِ الَّتي حصَلت في جيلِ صلاح الدِّين، قد تحصل في يومٍ ما، ويمكنُ التأسي بها لمن كانت غايتهم رفعة الأمة وتحرير أرضها، فقد ينقلبُ الصديقُ يوماً عدوَّاً، ومن قاتلَ في صفِّك يوماً يمكن أن يكونَ على جبهةٍ أخرى يترصَّدُ بك، فقضاء الله نافد وسنَّته لا تحابي أحدا، فاختر لنفسكَ مكانَ العزَّة، وطلِّقِ السذاجةَ ثلاثاً ولا تُنصِت لمرجف، واصعدِ القمَّة مع جيوش المسلمين فأنت على حقٍّ بإذن الله..

كتبه لإباء: عامر أبو محمد/مجاهد في صفوف هيئة تحرير الشام

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق