شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

في سوق الأفكار الزبون ليس دائمًا على حق

0 199

صاغ “هاري غوردن” مؤسس متجر “سلفريدج” في لندن عام 1909م عبارة الزبون دائمًا على حقوأصبحت بعدها شعارًا عالميًا يُفرض بموجبه على بائعي ومروجي السلع تعديل وتطوير وتقديم سلعهم حسب رغبات الجمهور، وذلك أمر منطقي للغاية بالمنظور المادي، فإن هدف البائع أموال الزبون ولن يحصل عليها إلا بإرضاء رغباته، تطور الفكر التجاري بعدها ليتفنن في صناعة الرغبة عند الزبون، فبدلا من أن يتاجر البائع فيما يريده الزبون أصبح الفن في أن يجعل الزبون يريد ما عند التاجر، وبالرغم من هذا التطور الراديكالي في أسلوب التجارة والدعاية إلا أن روح الفكر التجاري ظل كما هو يُقدس مقولة الزبون دائمًا على حقفهم يغيرون رغباته لترضيه السلعة في النهاية، فرضى الزبون هي الغاية المنشودة التي بدونها يتعذر الحصول على أمواله.

للأسف بعض من طغت عليهم مادية الحضارة الحديثة تعاملوا مع الأفكار بنفس الشعار، فأصبح تقييم صواب الفكرة ونجاحها يعتمد على مدى إقبال عامة الناس (الزبائن) عليها، بل أصبح تقييم الدعاة وحاملي همّ الدين معتمدًا على إقناعهم العامة بدعوتهم، ولا غرو فهذه روح الفكرة المادية المُسماة بالديمقراطية التي غزت العالم فاستعمرت (أو بالأحرى استخربت) عقول الكثير من أهل الفكر والنظر، وبعضهم تسللت إلى قيمه وتقييماته دون أن يشعر، فروح الديمقراطية تقوم على تقديس رأي الأكثرية من الجمهور (الزبائن) في الأفكار المطروحة، فإن قبلوها صارت صحيحة صالحة لحكم البلاد والعباد وإن رفضوها صارت فاسدة تستحق الحجب وربما الإعدام، لكن الحق والصواب الذي لا محيد عنه أن سوق الأفكار لا يمكن أن تقاس بحال على سوق السلع المادية، بل الغالب عقلًا وشرعًا أن أغلب وأكثر الناس يبتعدون عن الأفكار الصائبة ويتعلقون بحبال الزائفة لأن الحق ثقيل وقد اشتُهر عن السلف:”إن الحق‌ ثقيل‌ مريء وإن الباطل خفيف‌ وبي‌ءوجمهور الناس ينفرون من الثقيل بحكم طبعهم على الهوى الميّال إلى الخفة، وهو ما قررته الكثير من أدلة القرآن والسنة، فقال تعالى لنبيه ﷺ: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَوقال له أيضًا: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ“.

وأغلب الدعوات الصحيحة الصالحة في تاريخ البشرية عامة وفي تاريخ الإسلام خاصة كانت في بدايتها نافقة عند قلة قليلة من الناس وظلت هكذا فترات طويلة حتى كتب الله لبعضها الانتشار والرواج ولم يُقدر للبعض الآخر القبول عند الزبائن فلم يكن هذا دليلًا على فسادها أو خطئها، فالنبي يأتي يوم القيامة ولم يستجب لدعوته إلا اثنان أو واحد أو لا أحد.

ليس ما سبق دعوة للمصلحين ألا يبذلوا جهدهم وسعهم في تقريب أفكارهم ونشرها بين الناس وتحبيبهم فيها، وتعديل أخطائها إن وُجدت، بل هذا واجب محتم عليهم، لكنها دعوة لئلا يكون تقييم الفكرة بقبول الناس لها ثم يُتبع ذلك بالكبيرة التي لا تغتفر وقاسمة الظهر التي لا تُطب المتمثلة في تغيير المُصلح أصل دعوته أو تعديل بعض الصواب في فكرته ليُرضى الزبائن.

 

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق