شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

من الحلم ما قتل

0 286

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ

يُروى أن قومًا من قريشٍ جعلوا مكافأة لمن يُغضب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فقال رجل يُسمى مالك بن أسماء المُنى: لأغضبنه، فأتاه وقال له يا أمير المؤمنين، ما أشبه عينيك بعيني أمك. فقال معاوية: تلك عينان طالما أعجبتا أبا سفيان، يا ابن أخي، انظر ما أُعطيت من الجُعل (المكافأة)، فخذه ولا تتخذنا متجراً.
فرجع مالك فأخذ جعله، فقال له رجلٌ منهم: لك ضعفا مكافأتك إن أتيت عمرو بن الزبير، فشبهته بأمه، فأتاه، فقال: يا ابن الزبير، ما أشبه وجهك بوجه أمك، فأمر به، فضُرب حتى مات.
فبعث معاوية بدية مالك إلى أمه أسماء، وقال: ألا قل لأسماء المنى أم مالكٍ.. فإني لعمر الله أهلكت مالكًا.
وفوق ما تدل عليه القصة من عظيم فراسة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وعظيم حلمه، فقد دلت كذلك على كبير فقهه وفضله، فقد تأثّم رضي الله عنه من عدم عقوبته مالك بن أسماء المُنى، مما جرأه على تكرار الفعل مع من هو أقل حلمًا من معاوية، واعتبر أن تقصيره في عقوبته يستلزم أن يدفع ديته -ولو من باب الفضل والكرم وليس على سبيل الوجوب-.
فقد يظن البعض أن الحلم على تجاوزات الخلق كلُّه محمود وهذا خطأ محض، فبعض الحلم قد يضر بالناس عمومًا وبمن حُلم عليه خاصة.
وإن من أمور السياسة الرشيدة أن توضع الشدة في موضعها المناسب، والحلم في موضعه وإلا فسد الناس، وفي ذلك أنشد المتنبي ناصحًا الأمير سيف الدولة الحمداني فقال:

وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بالعُلا.. مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضِعِ النَّدَى.

وفي البخاري ومسلم أن رجلاً من الأنصار خاصم الزُّبَير بن العوام رضي الله عنه عند النبيِّ ﷺ في سقي الماء، فقال رسول الله ﷺ للزُّبَير: (اسْقِ يا زُبَير، ثم أَرْسِل الماء إلى جارك)، فغضب الأنصاري، فقال: أَنْ كان ابن عَمَّتِك، فتَلَوَّن وجه رسول الله ﷺ ثم قال: (اسقِ يا زُبَيْر، ثُمَّ احبِس الماء، حتى يَرجِع إلى الجَدْر)،
فنرى كيف عاقبه النبي ﷺ من فوره وأمر الزبير ألا يعطيه الفضل الذي أشار عليه به، ورَدّه إلى حقه فقط بسبب طعنه في حكم النبي ﷺ، والأمثلة من السنة وأفعال السلف كثيرة.
فالإدارة الصحيحة والإمارة الحقة هي التي توازن بين الحلم والشدة ولا تترك الناس في غيهم حتى يُفسدهم الحلم ويتلفهم ووقتها لا ينفع ندم، فالشدة أحيانًا تكون عين الرحمة والرفق في المآل.
وقديمًا قال العرب:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً… فليقس أحياناً على من يرحم.

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق