شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

متلازمة “الإنكار” .. بين المتنبي وفرويد!

كتبه لإباء : حسين أبوعمر كاتب ومدون شامي

0 1٬263

طَوَى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ … فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذبِ

يشرح المتنبي في هذا البيت الطريقة التي تعامل بها عند تلقيه خبر موت خولة أخت سيف الدولة -التي كان يحبها- ويعرفنا بالوسيلة التي استخدمها في مواجهة هذا الخبر غير المحبوب له؛ وهي تكذيب الخبر! .. إنكار صحة الخبر! “الإنكار”.
جاء فرويد بعد المتنبي بما يقارب الألف سنة ليعدد الحيل والآليات الدفاعية التي تستعملها النفس البشرية في مواجهة الأزمات، ويذكر من ضمنها “الإنكار” كوسيلة دفاعية.
يعرف فرويد الإنكار: “بأنه عملية «لا شعورية»، تحمي «الأنا» من مواجهة الواقع، أو الحقيقة المؤلمة، ويكون مصدر الخطر هنا هو العالم الخارجي، وتكون بصورة نفي للوقائع، ويظهر الإنكار على شكل رفض الاعتراف بالحقائق غير السارة، أو تجاهل وجودها، لتجنب الواقع المؤلم، والتوتر، والقلق، الناتج عن الاعتراف بها”.

ويُعرف الإنكار كذلك بأنه: “فقدان رغبة مواجهة المشكلة بوعي أو لا وعي. أو رفض الاعتراف بوجود أو بشدة الوقائع الخارجية القاسية، أو الأفكار والمشاعر الذاتية المؤلمة”.

فهو آلية من ضمن آليات الدفاع المتعددة التي تستعملها النفس البشرية للهروب من مواجهة الواقع -الذي يسير على خلاف ما تشتهي- وذلك عن طريق تجاهله وعدم الاعتراف به بل والتوهم بأنه -الواقع- على خلاف ما هو عليه، وأن شيئاً آخر هو القائم! فيكتسب الإنسان بذلك الشعور بالراحة والسعادة؛ وذلك يتم غالباً في اللاوعي!

الواقع الذي تتعامل معه النفس البشرية باستراتيجية الإنكار ممكن أن يكون معتقدا دينيا، وممكن أن يكون حدثا تاريخيا، وممكن أن يكون تفسير وقائع وأحداث، وممكن أن يكون استشراف مستقبل، وممكن أن يكون تقييم شخصية، فهو غير محدد بنوع ولا بزمن.

من أسباب الإصابة بهذا المرض ضعف الشخصية وعدم القدرة على الاعتراف بالواقع ومن ثم التعامل معه بالشكل المناسب، ومن الأسباب أيضا تضخم “الأنا” والغرور ومحاولة المحافظة على الصورة المثالية عن النفس، وكذلك البحث عن الراحة النفسية والسعادة.

يتصرف أصحاب هذا السلوك مع المشاكل كما أنها غير موجودة، ويتميزون بالتفكير الوهمي والقول بأن كل شيء على ما يرام، و يصرون على الظهور بصورة جيدة ومثالية، ويتعامون عن كل شيء يتعارض مع هذا التصور الوهمي الخداع.

أسوأ حالات الإصابة بهذا المرض -“الإنكار”- عندما تصاب به النخب والمفكرين والموجهين وأصحاب القرار والسلطة؛ فيبدأ مسلسل الإخفاقات والتراجع وتراكم الفشل. وللأسف! ما أكثر انتشار هذا المرض عندنا في إدلب! ويكأنه ينتقل بالعدوى! دائما نقرأ الواقع كما تشتهي نفوسنا لا كما هو، ونبرر الأخطاء السابقة بأنها كانت الاختيار الأنسب في وقتها، وأننا دائماً على صواب! من أجل الحفاظ على “الأنا المثالية”
لقد أبدع روبرت غرين عندما وضع “الحرب على الذات” الاستراتيجية الأولى في كتابه “33 استراتيجية للحرب”. يقول في مقدمة الكتاب:”انظر إلى الأشياء بحجمها الطبيعي لا كما تصورها لك عواطفك”. ويقول في كتابه أيضا:” لكي تصبح استراتيجيا حقيقيا عليك اتخاذ ثلاث خطوات. أولا: أن تصبح واعيا للضعف والمرض الذي ممكن أن يسيطرا على العقل، ويدمرا قدراته الاستراتيجية. ثانيا: أن تعلن الحرب على نفسك لتجعل نفسك تمضي قدما. ثالثا أن تشن حربا مستمرة وبلا رحمة على الأعداء الذين في داخلك”.

ختاما إن نكران ما هو قائم، والتوهم بأن شيئا آخر غيره هو القائم والمتفاعل في الحياة يشوّه المواقف ويحرفها بإنكاره لحقيقة الوقائع، مما يساهم في فقدان السيطرة عليها، وتعزيز السلوكيات السلبية، التي تمنع التعامل الصحيح معها، ويثبت القراءات اللامنطقية للوقائع، ويدفع إلى نتائج لا تتفق ومفردات الواقع المتحرك فيها. إن هذا “الإنكار” لن يغير من الواقع والحقائق والنتائج شيئا.

 

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق