شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

الاستبدال سنة الله وهي ماضية لا تحابي أحداً (الجزء الأول)

0 1٬476

يعتبر العلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، وقد أمرنا القرآن أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها، ويتحدث القرآن عن سنن الله العامة في الكون على أنها دعامة النظام الكوني المتماسك بوشائج التوازن الإلهي الذي يحكم به هذا النظام، وهذا التوازن هو العدل الذي قامت له السماوات والأرض، وهو الحق الذي خلقت به الحياة.

وقد جاءت الآيات التي وردت في السنن قطعية الدلالة لا تحتمل ألفاظها غير معانيها ((سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً)) [الفتح/ 23] ومن ثم كان الاستدلال بالسنن الإلهية قطعي الدلالة مما يؤدي إلى قطعية الاعتبار ووجوب الأخذ بالحيطة والحذر مما اشتملت عليه السنن المنذرة، وضرورة التلبث بما اشتملت عليه السنن المبشرة، تلك السنن التي من أهم خصائصها أنها ثابتة مقرَّرة، وجارية نافذة، لا تتغيَّر ولا تتحوَّل، كما أنها عامة في المؤمن والكافر؛ لا يحابي الله فيها أحداً. وتخضع لها حياة الأفراد والأمم، وتُؤثرِّ في قيام الجماعات والقيادات وكذلك سقوطها، وهي كثيرة متنوَّعة، منها سنة الاستبدال التي قرَّرها الله عزَّ وجل في مواضع عدة من القرآن الكريم، حيث قال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد/38] وقال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة/39].

فإذا رأينا قيادة أو أمة أو جماعة استبدلت بأخرى، فمعنى هذا أنَّ الظاهرة قد خضعت لهذه السنة وتمخضت عنها.

أما إذا عهد الله إلى أمة، أو جماعة برسالة، أو إلى قيادة بمسؤولية، فأدت رسالتها، وقامت بمسؤوليتها، أدام لها نعمتها التي خوَّلها، ووفَّر لها أسباب البقاء، وأفسح لها مجال العمل. وإن تهاونت في الاضطلاع بها، أو قصَّرت في أدائها، أو أعرضت عنها وتولّت، أوظلمت وطغت، استبدل بها أخرى صالحة للقيام بالمسؤولية، وهذا الإحلال والاستبدال جزء من العملية الاجتماعية المستمرة، وهذا مقتضى حكمة الله في الأمم والجماعات حتى تكون جزيئاته الجارية دائمة التبدل والحركة، وإلا فإنها إذا رقدت ركدت وفسدت.

وإنها لنذارة رهيبة لمن ذاق حلاوة الإيمان، وأحس بكرامته على الله، وبمقامه في هذا الكون وهو يحمل هذا السر الإلهي العظيم، ويمشي في الأرض بسلطان الله في قلبه، ونور الله في كيانه، ويذهب ويجيء وعليه شارة مولاه. ثم تسلب منه، ويطرد من الكنف، وتوصد دونه الأبواب، ومن ثم كان هذا الإنذار أهول ما يواجهه المؤمن، وهو يتلقاه من الله.

وتبقى الحقيقة واضحة عندما تلمس وترى آثار عمل يد الله تعالى، وتعلم أن هذا الكون ليس متروكًا عبثًا ولا سدًى؛ بل هناك رب فوق العرش لا يترك الحياة للباطل وإنما يدفع مرة بعد مرة: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:251]. فهذا الدين ماضٍ في طريقه ليحدث في الأرض ما شاء الله تعالى من أقدار، وأنه غالب ولا بد، يتشرف به وبنصرته من شاء الله له الرفعة، ويخذل عنه وعن نصرته من سقط من عين الله تعالى.

ويتولى الله تعالى الدفع بنبت آخر، ليبقى للحق مدافعوه، ويبقى الباطل في حال انزعاجٍ دائمٍ مِن كَرِّ الحق عليه، {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء:18].وما زالت أنهار الحياة جارية تتقلب أمواجها، والباطل خفيف وبيء، ومليء بالثقوب، فلا يخدعنك أحد أن الباطل مستقر.

لذلك فإن الله لم يربط نصرة هذا الدين برجل ولا بقوم ولا بمكان ولا بزمان، لذلك عندما تنكب العرب عن حمل الرسالة والجهاد أرسل الله الكرد فكان الزنكيّون ومن بني أيوب، ولما تنكب الكرد عن الجهاد جاء الله عز وجل بالمماليك، فكان الظاهر بيبرس والمظفر قطز الذين ردوا عادية التتار، ولما تنكب المماليك وانساح الصليبيون في بلاد الإسلام إذ بعث الله عز وجل السلاجقة والأتراك العثمانيين الذين فتحوا الفتوحات في أوروبا ودول الغرب، ولما تنكب العرب في المغرب العربي كان للبربر من أمثال يوسف بن تاشفين كلمتهم فنصرهم الله على الفرنجة.

أما في الشام فما هو الخطر الذي يتهدد الفئة المؤمنة وما علاقة تلك السنة الربانية بالعصابة المجاهدة؟ هذا ما سنوضحه في الجزء الثاني من هذا المقال بمشيئة الله تعالى.

كتبه لإباء| د.أيمن الهواري/ باحث في العلوم الاجتماعية

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق