شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

بين تجريب المجرب وبين فداحة الفشل

0 1٬036

مما لا شك فيه أن مخرجات مؤتمر الأستانة والذي قامت به الفصائل كلها من خلال لجنة التفاوض العليا، وما تضمنته مخرجات المؤتمرات كالرياض 1 والرياض 2 والتي كانت محل إجماع فصائلي شبه كامل وتأييد مشايخي وعلمائي أيضًا كانت نتائجه كارثية على الثورة السورية ككل.
إذ أدى هذا الأمر إلى خسارة مناطق شاسعة وكبيرة على مستوى التراب السوري من حلب إلى الغوطة الشرقية إلى حمص إلى ريف القلمون إلى درعا أخيرًا والآن كل الأنظار تتجه نحو درعا.
وبغض النظر عن الظروف والحيثيات والتفاصيل التي قد تشتت انتباهنا عن الصورة العامة فإن المسلسل الذي يحدث في مسيرة التهجير هو حلقة واحدة إلا أنها مكررة تتغير فيها الأسماء ويبقى فيها المجرم واحدًا.
ولو قمنا بمراجعة عامة وسريعة في كل منطقة سقطت لوجدنا تهاوياً مرعباً لكافة المشاريع التي تسمي نفسها مشاريع ثورية ومشاريع تنادي بالثورة الصافية النقية الخالية عن أي أدلجة أو مشاريع تنادي بالثورة السنية النظيفة عن أي بدعة أو ثورة تنادي بكذا وكذا..
ففي حلب كان المتصدر الحقيقي للثورة هناك فصائل الجيش الحر كجيش المجاهدين وتجمع فاستقم كما أمرت والجبهة الشامية ولم تصمد هذه الفصائل أمام حملة الروس شهرًا واحدًا بل كانت مثالاً حقيقيًا للتخاذل عندما قام جيش الفتح بفتح الطريق لها وآثرت سقوط حلب على تحريرها من قبل جيش الفتح بسبب إقصائه لها عند تحرير إدلب.
فكانت النتيجة أن خسرنا حلب وخرجت هذه الأسماء من المشهد، وصارت عبارة المؤازرات الخجولة فكرة والفكرة لا تموت.

وفي الغوطة كانت الكلمة العليا فيها لفصيل جيش الإسلام في دوما فجعل هذه المدينة عاصمة له، وانتشر بين أهالي الغوطة عبارة كنا نتهامس بها في السر لكنها واقع في العلن “دوما قرداحة الغوطة”.
قدَّم هذا الجيش ابن المنطقة وابن العائلة على الكفء، وحارب أهل الغوطة بحجة البدعة تارة والعلمانية تارة والخارجية تارة أخرى، قتل من أهلها الكثير وأطلق النار على مظاهرات أهلها السلمية.. ومن ثم؟ ما هي النتيجة؟
خرج من الغوطة وخسر رأس ماله، خرج مطرودًا من أهله -مدينة دوما- بمظاهرات تطالبه بالخروج.
خرج جيش الإسلام بعد أن سلم كثيرًا من المناطق بدون أي قتال، أكثر من نصف الغوطة تم تسليمه بانسحاب طمعًا بكونفدرالية ووعود من “الضامن الروسي” توصيفٌ ابتدعه محمد علوش كبير المفاوضين وأحد سياسي الجيش البارزين رفض هذا “الضامن” – والذي يُعتقد بأن الاقتتال الداخلي الثاني كان كرمًا لعيونه – أن يكون جيش الإسلام أكثر من كتيبة فقط رغم أن جيش الإسلام قبِل بَلْ طلب أن يكون عدد من عناصره تابعاً لوزارة الداخلية وأن تكون محاكم هذا الجيش تكون تابعة لوزارة العدل!
وخرج خاسرًا لرأس المال

وفي الغوطة أيضًا ولكن على بعد بضع أمتار من الغوطة في حرستا أكثر من 10 آلاف مقاتل بحسب ما يقول “الزَّحْطة” قائد فصيل حرستا الذي لا نعلم له معركة خلال سبع سنوات إلا معركة تحرير بعض أحياء حرستا ومعركة أخرى قبل الاقتحام الكبير لم يستطع أن يؤمن من عناصره أكثر من 200 عنصر هكذا كان فصيل أحرار الشام وهو الفصيل الوحيد الذي فاوض النظام “بدون ضامن روسي حتى” وقبِل بالخروج فورًا.

وإلى الجنوب قليلاً في الغوطة المحتلة تجد أبو النصر شمير يجلس ويتكلم وهو عاجز عن أن يؤمن أكثر من 150 عنصرًا ليسدوا فيها الجبهات التي أخلاها جيش الإسلام وجعلهم بمواجهة معها.
وبعيدًا قليلاً في اسطنبول تجد طلباً للشيخ الفاضل أسامة الرفاعي يطلب بحنكته من فيلق الرحمن أن لا يقتلوا بسام ضفدع الوالد الروحي لضفادع مستنقعنا السوري خشية شق الصف التي توَّهمها بحنكته! فلا تستغربوا من ذلك؛ نعم ستجدون له فتاوى أخرى جديدة قريبًا..
والنتيجة لكل هذا سقطت الغوطة وخسرت كل مشاريع الغوطة رأس مالها.

وفي القلمون لم تتكلف الفصائل بالقتال أيضًا بل سلمت السلاح والعتاد وكانت متحصنة في أكثر المناطق صعوبة في كل سوريا.
وفي حمص كان ضفدع جيش التوحيد كفيلاً بإنهاء هذا الملف على عجالة.
ثم درعا وتكرار للمكرر بشروط كانت تزداد انحطاطًا وتزداد ذلاً.
وثوار الكرامة يمسحون كرامتهم بالأرض ثم يقبلون بهذه الشروط المذلة فكيف لا وشيخهم في اسطنبول قالها صريحة لا تخوِّنوا كل من يريد أن يحفظ دماءه وماله.

في الحقيقة لما تسمع مثل هذه التصريحات تتمنى أن يكون قائلها غبيًا؛ ﻷن الغباء إن انتفى عنها حلّ ما هو أشد بؤسًا.

اليوم؛ حسمت كل ملفات الثورة السورية في كل البقاع التي ارتوت بدماء الآلاف من الشهداء: حلب، حمص، الغوطة، درعا، القلمون، وخرج غالب أولئك الرافضين للمصالحة مع النظام وبقي الكثير ممن يقبل بها وفي كل دخن وفي كل خير.
اليوم بقي لنا من الثورة السورية رأس المال إدلب

نعم أنا أعتبر عفرين ودرع الفرات مناطق محررة، لكن حالها مما تشهده من انفلات أمني وانفلات إداري واضطِّرارِ تدخلِ الأتراكِ في كل صغيرة وكبيرة بسبب شَلَليَّةِ من يسمون أنفسهم ثواراً في هذه المناطق يخرجها من نطاق الحرة، فهي محررة ولكنها ليست حرة.

والآن إدلب ..
إدلب تلك المحافظة التي حررها جيش الفتح والتي تضم الآن ما يقرب من ثلاثة ملايين سوري، وهي مقسّمة ومتنازعة بين عدد من الفصائل وهي الآن على ثلاث كيانات ضخمة:
الأول: هيئة تحرير الشام
الثاني: جبهة تحرير سورية [أحرار الشام – زنكي – صقور الشام]
الثالث: الجبهة الوطنية للتحرير [جيش حر]

اليوم نحن أمام استحقاق جديد وبداية حملة جديدة
ولو نظرنا لهذه القسيمات فهي مقاربة ومشابهة وبشكل كبير لكل منطقة، إلا أن النسب تتفاوت؛ فالقوة الكبرى اليوم في إدلب هي للهيئة ثم لتحرير سوريا ثم الجبهة الوطنية (الجيش الحر).

ولو استعرضنا أحوال هذه الكيانات الثلاث لوجدنا أن أشدها ضعفًا هي أحرار الشام فلو استقرأنا تاريخها في السنة الماضية؛ لرأينا ثقتهم بمن هو ليس أهلا للثقة وثبت أنه من فصيلة الضفادع في كل من حمص وحلب، إذ إن بوادر هذا الأمر تظهر بوضوح من أيام الجبهة الإسلامية وثقتهم بمن دمر أكبر مشروع إسلامي في الساحة ذلك الوقت بل إبقاءهم معه على علاقة طيبة وأكثر، وثقتهم بحركة الزنكي التي لو تمكنت من القضاء على الهيئة لانقضت على الأحرار أو عاملتها كمعاملة العبيد، والفيلق الرابع هنا والثالث هناك وكلها مشاريع كانت الأحرار تظن أنها تريد احتواء غيرها فإذا غيرها يحتويها.

أما الجيش الحر فلا يسعني إلا حديث الصادق المصدوق: “من قال هلك الناس فهو أهلكهم”.
لكن أثبت الواقع دعوى أن الجيش الحر جزء من الشعب وما كانت فترات خفض التصعيد إلا وأدًا لشعلة القتال والجهاد التي اشتعلت مع بداية الثورة، ولكل نار وقود فإن قطعته عنها انطفأت، وقد برع الأعداء في قطع هذا الوقود.
وإن لم يكن من المؤكد بالابتعاد عن القتال العقائدي إلا تقليل عدد القتلى للحد الأدنى -الذي أطفأ مع الوقت إرادة الثأر- وتأمين الدعة والحياة الرغيدة -التي أطفأت إرادة القتال- لكفى.
فآثروا كونهم ضفادع في المستنقعات على أن يكونوا جمال بحر الصحراء أو صقورا في رؤوس الجبال.
وقد أخذ كل من الفريقين فرصا عديدة في كثير من المناطق كحمص والقلمون والغوطة وأخيرا وليس آخرا درعا.

بقي لنا هيئة تحرير الشام..
فهي الفصيل الوحيد الذي لم يكن له ذاك الثقل في كل من المناطق السابقة باستثناء حمص وغرب محافظة درعا، وقد استطاعت وحدها الوقوف في وجه حملة روسية داعشية لمدة تزيد عن 4 أشهر، قدمت فيها ما يزيد عن1500 شهيد وجريح في وقت عجز فيه فيلق الرحمن تأمين 150 مقاتلاً في الغوطة.

وقد شارك مع الروس وداعش حركة الزنكي فكانت تضرب الهيئة في هذا الوقت مستغلة انشغالها، ولم تنته حملة النظام حتى بدأت حملة استنزاف جديدة على الهيئة استمرت لأكثر من 60 يوماً، وبالرغم من ذلك بقي هذا الفصيل صامداً، وهنا لا أناقش مسألة الباغي من هو ولكن نذكر أحداثا مجردة، ويظهر هذا الصمود بشكل واضح في حملته الأخيرة على الدواعش في مدينة سرمين وريفها وضربه لكل من خلايا النظام وداعش في المنطقة المحررة عموماً.

وقد أثبت الواقع ماذا يمكن أن يفعل 75 شخصاً من مقاتليه كانوا محاصرين من قبل الدواعش والنظام لعدة سنوات من صمود في منطقة الريجة التي لا تتجاوز بضعة مئات من الأمتار، كما أثبت الواقع إمكانية تعاملهم مع المتغيرات الدولية وما قضية التحالف الأخير مع تركيا ببعيد كنقاط المراقبة والمعبر.

بعد كل هذا العرض السريع للأحداث؛ نطرح سؤالنا ألم نكتف من تجريب المجرب؟ وإعادة نفس التجربة وتوقع نتائج جديدة؟
ألم يبتعد الجميع عن هيئة تحرير الشام بسبب حجج كالتصنيف والإرهاب فما هي أحوال الجبهة الجنوبية في درعا التي ارتضت أن يذبح الناس شرقا وغربا وهي تمتنع عن أي عمل إرضاء لسيدها الذي باعها بسوق النخاسة؟
مصير الموصل الذي دائما يتكرر على أسماعنا لم يكن يحكم تلك المدينة شخص يسمح بإدخال نقاط أجنبية للبلاد لإزالة الشر عنها.
نحن اليوم أمام خيار من اثنين؛ إما أن نجرب المجرب ونتوقع أو لا نتوقع نتائج جديدة.
أو نسلم هذه المحنة للهيئة وننتظر المستقبل.. فلن نخسر أكثر مما خسرنا.. وأي مكسب جديد هو في صالحنا.

ما نحتاجه في هذه المرحلة تجرد للذات، ونزع للأهواء، وأن ندرك أننا الآن ندافع عن آخر معقل من معاقل الثورة السورية الحية.

كتبه لإباء: وليد الرفاعي: باحث مختص في شؤون الثورة السورية

 

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق