شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

الحاجة إلى إعادة بناء العقل الإسلامي

0 1٬174

مرت سبع سنوات ومازالت الشام موضوع اهتمام العالم كله ومازال الصراع الذي لم يحسمه أحد الفريقين محتدماً، رغم ما أصاب من انكسار لباقي ثورات العالم العربي، وتعتبر الشام منذ فجر التاريخ -بحسب موقعها الجغرافي – مركزا للصراع بين القوى العظمى، فهي قلب الشرق وعقدة المواصلات بين القارات ومنها تعبر طرق التجارة العالمية قديما وحديثا ، ولهذا سعت القوى الكبرى منذ زمن الآشوريين في أوائل الألف الأولى قبل الميلاد ثم الفرس ومن بعدهم الإسكندر المقدوني إلى السيطرة على الشام، كما لم يستطع الرومان أن يتحولوا إلى قوة عالمية وإقامة نظام عالمي دام حتى القرن الرابع الميلادي إلا بعد احتلالهم للشام، كذلك كان المسلمون في عهد الدولة الأموية ثم العباسية الأولى، وللمهتم أن يتابع بعد ذلك تاريخ السلاجقة ثم المماليك ثم العثمانيين الذين أصبحوا القوة العالمية الأولى نتيجة سيطرتهم على الشام، ثم كانت الأحداث الأخيرة التي أكدت تلك الحقيقة.

لذلك لم تكن الشام كغيرها من بقع الصراع على هذه الأرض، بل كانت تجربة فريدة مرت على الحركة الإسلامية عموماً وعلى التيار الجهادي خصوصاً، مما جعل المدقق والمهتم يتأنى كثيراً قبل أن يقارنها بتجربة الأفغان الذين تقع بلادهم في أطراف الأرض، أو العراقيين الذين لم يسيطروا على مساحة من الأرض يقيمون عليها شبه سلطان أو قريباً من تمكين، أو الفلسطينيين الذين غلب عليهم الطابع القومي والعلماني إلا من بعض الجماعات الإسلامية التي ظهرت مؤخراً وتأثرت إلى حد ما بهذا الطابع الغالب.

ورغم كل المؤاخذات التي تسجل على الحركة الجهادية في الشام إلا أنه يحسب لها هذا المنعطف المهم الذي بلغته؛ فاختزلت تاريخ تطور الحركة الإسلامية كله من التبليغ بالكلمة ثم استخدام القوة ثم إقامة السلطة –وإن كانت غير مكتملة- وكان التحدي الأكبر الذي نختصره في نقطتين: الأولى لم تكن أبداً الجاهلية لتترك المؤمنين خاصة وهي في أوج قوتها وعنفوانها وسيطرتها على العالم كله ضمن نظام عالمي محكم يمارس البلطجة السياسية التي يضع لها قوانين وتشريعات فلا يسمح أبدا بمن يفكر في معارضته أو مخالفته أو التمرد عليه، وإذا سمح بذلك فلن يكون في أرض الشام التي أسلفنا الحديث عن أهميتها الجيو سياسية والتي لا تبعد إسرائيل عنها مرمى حجر .
النقطة الثانية وهو التحدي الأكبر، والمتعلق بالجبهة الداخلية على مستوى التيار الجهادي الذي لم يشهد مثل هذه الحالة من التمزق الداخلي من قبل بسبب الانتقال من الحالة المثالية الأولى، والشعارات والمبادئ البسيطة السهلة التي يصعب الاختلاف حولها، فكانت الرؤية واضحة والمعالم محددة، وعدد المنتمين يقاس بالعشرات أو بالمئات على أقصى تقدير، فكانت اللغة الغالبة هي لغة السلاح والانحياز كان للجبال، أما وقد اختلفت طبيعة المرحلة على مستوى المواجهة وعلى مستوى الأفراد، واختلف الزمان كما اختلف المكان، وتعقد المشهد وتقاطعت المصالح، بل تركز العالم كله وفي مقدمته قواه المسماة بالعظمى، على هذه البقعة الصغيرة من الكرة الأرضية، وتحولت (النوازل) من كثرتها إلى (مما عم به البلوى) حتى أن أكابر المجاهدين أنفسهم اختلفوا فيما بينهم، فما بالك بهذا الشباب المسكين قليل التجربة، والذي حظه من العلم الشرعي لا يتجاوز العوام من الناس، لم ينشغل بشيء سوى نصرة إخوانه وإغاثة أخواته، ولم يهتم إلا بأن ينال شرف الشهادة، دافعه الغالب هو العاطفة وواجب المروءة، ولما لم تتوفر البيئة السنية المناسبة انجرف عدد غير قليل إلى الفكر الخارجي المنحرف الذي استغل أصحابه هذا الفراغ الفكري والتربوي وليستوعب هذه الطاقة البشرية الهائلة من الشباب ويستغل حماسهم وجهلهم وعجمتهم ، وفي المقابل -كما هو متوقع- تأثر عدد آخر ليس أقل من إخوانهم في الفريق الأول بالفكر الإرجائي الذي تطور إلى الفكر المدخلي الضال، ولكل منتم لهذا الفريق أو ذاك نفسيته المعدة للانتماء لفريقه ، حدث هذا كله رغم ثراء المنهج التربوي السني الذي يستوعب تلك النفوس ويملك مؤهلات التعامل معها وتهذيبها وتربيتها.

وبمرور سريع على مناهج دورات الانتساب أو المعاهد الشرعية، يتبين لنا بسهولة أين الخلل؟ فالحرص كل الحرص على تخريج المسلم المقاتل وفي أفضل الأحوال المسلم المتعلم، أما المسلم الواعي أو المفكر أو السياسي، المسلم الذي يستطيع أن يفرق بين الخلاف العقائدي والخلاف الشرعي، المسلم الذي يعلم ما هي ثوابته وما الذي يستساغ فيه الاجتهاد وما لا يقبله الاجتهاد، المسلم الذي يملك التصور الذي يعد بمثابة الميزان الذي إذا امتلكه استطاع أن يتلمس من خلاله طريقه، ويمارس أسلوبه ومنهجه في الانتصار للحق الذي يؤمن به، فيكون عبداً ربانياً يستطيع وهو مطمئن القلب، مرتاح الضمير أن يفرق بأريحية ويسر بين الحق والباطل، وأن يميز بين الصواب والخطأ؛ خاصة في زمن الفتن والابتلاءات الفكرية والعقائدية، هذا كله لم يكن له نصيب أو حظ ضمن تلك المناهج التعليمية، لذلك لم يكن مستغرباً هذه الحالة من التشرذم والتمزق التي يعيشها أبناء البيت الواحد والمدرسة الجهادية الواحدة.

إذن فما أحوجنا اليوم لكي نتدارك هذا الخلل وقد وضع لنا القرآن منهجا تربوياً متكاملاً جاء في قوله تعالى ” كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون” {البقر:151} كخطوة جادة على طريق كمال بنيان الشخصية الإسلامية المتزنة، ولإعادة بناء العقل الاسلامي الذي يستوعب الأحداث في الواقع الاسلامي المعاصر، فيتحسس أدواته وهو يحاول أن يفهم حقيقة الصراع بين الإسلام والجاهلية، ومكائد أهل الباطل في الصد عن سبيل الله. ويملك أسباب الثبات عند كل فتنة أو نازلة أو خلاف. وللحديث بقية حول معالم هذا المنهج التربوي وأبعاده الرئيسة، عسى أن يكون ذلك سبباً لإيقاف هذا النزيف البشري، واستيعاب هذه الطاقة الشبابية الهائلة، وامتلاك الرؤية الواضحة والتصور المكتمل والمتزن الذي يعتمد على ركائز الوعي القائمة على أسس عقدية وشرعية وفكرية وسياسية وتاريخية وإيمانية.

 

 

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق