شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

في ظلال السيرة “رأيي أم قرار الجماعة؟”

0 1٬423

بسم الله الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
في الساحة السورية أحداث جسيمة ومتغيرات كثيرة ، فتنٌ وامتحانات
يقف أمامها الحليم حيرانا , يقضي المقاتل كثيراً من وقته في الثغر أو في مقره و مع عائلته و بين إخوانه فضلاً عن كثرة مشاغله ، والحوادث من حوله حوادث عظام ومنعطفات جسام تحتاج أن يتزود لها المرء زاداً يبلغه مراده .
مجرد أن عُمل بأمرٍ أو حدثت حادثة تخالف رأيه أو هواه تجده ينظر إلى الأمور نظرة سطحية فيرمي ذاك بالانحراف ويتهم ذاك بالغلو والآخر بالعمالة ويُفصّل ويقسم حَسْبَ ما يريد هو وتوجهه عاطفته التي ربما تكون صادقة في نصرة الدين ، لكن بالطبع هذا خطأ كبير فالحكم لا يكون ألبتة بتوجيه من العاطفة .
ولندرك ذلك أكثر وددتُ أن أدون على عجالة هذه الكلمات التي هي بمثابة درس من دروس السيرة النبوية التي إن تمسكنا بها هُدينا الطريق المستقيم ، وحُلت كثيرٌ من مشاكلنا و توضحت لنا المعضلات وبانت لنا كثيرٌ من المبهمات . و لعل هذه العبرة تكون لنا منهجاً فنضبط أقوالنا وأفعالنا بضوابط ولا نطلق لعواطفنا العنان تسير بنا كيف تشاء وهذا الدرس مأخوذ من موقف من المواقف التي حصلت في صلح الحديبية بين رسول الله ﷺ والمشركين أواخر السنة السادسة للهجرة ، حيث كانت الشروط قاسية على المسلمين في نظر بعض الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم إذ كيف ونحن مسلمون وعلى الحق نتفاوض مع المشركين ونوافق على شروط يرى ( هو عمر) أنّها إعطاءٌ للدنية في الدين حيث كان من الشروط التي اتفقوا عليها أنّهم يردون من أتى مسلماً من مكة دون إذن وليه ومن خرج من بين المسلمين إلى المشركين لا يردوه ، كما أن سهيلاً بن عمرو ( مسؤول المفاوضات من طرف المشركين) قد اعترض على كتابة ” بسم الله ” فقال: لا أعرف هذا بل اكتب: باسمك اللهم ” واعترض على كتابة: (رسول الله) بعد كلمة ( محمد ) ﷺ فأبى وقال لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك ، وقد تضاعف الأمر حينما قدم أبو جندل بن سهيل مؤخراً وقد فرّ من المشركين إلى المسلمين، والصلح قد تمَّ ومن بنوده أن يُردّ من حاله كحال أبي جندل ، وهو يصرخ: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟! ، عمر من وجهة نظره أن المسلمين أعطوا الدنية ورضوا بما لا ينبغي أن يرضوا به .
فذهب إلى أبي بكر وقال يا أبا بكر: أليس برسول؟ قال: بلى . أولسنا بالمسلمين ؟ قال: بلى . قال : أوليسوا بالمشركين؟ قال : بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ فكان رد أبي بكر رضي اللله عنه: ( يا عمر الزم غرزه فإنّي أشهد أنّه رسول الله ) فقال عمر : وأنا أشهد أنّه رسول الله . ثم ذهب عمر إلى رسول الله ﷺ وقال له ما قال لأبي بكر ، وكان رد رسول الله ﷺ : ( أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني ) .
هذا الموقف كله عبر وعظات حري بنا أن نطالعها ونقتبسها من سيرة المصطفى ﷺ علّها تنير لنا الدرب وتكشف عنّا الكرب ، لكن هنا على عجالة نسلط الضوء على أهم درس وعبرة ، وهي : أنّ الشعور الداخلي و العاطفة لا تكون مقياساً للصواب أو الخطأ فهذا عمر الذي لا يشك أحدٌ منّا بغيرته على الدين وحبه لرسول الله وانصياعه لأوامره عندما نظر إلى بنود الصلح عدّها من وجهة نظره إعطاء للدنية في الدين وذلة للمؤمنين، لكن هي بحقيقتها بعكس ذاك تماماً.
و في هذه الأيام تجد كثيراً من المقاتلين بدأت تخالجهم الأوهام وتنتابهم الشكوك فتجده يتكلم في المجالس والمقرات : ما من أجل هذا نفرنا ولا خرجنا بثورتنا ولا سفكنا الدماء وبذلنا الأرواح كيف الآن و بعد هذه السنين السبع العجاف التي بذلنا فيها الغالي والنفيس نسلم الأمر لفلان أو نرضى بالفصيل أو الشخص الفلاني أو نقبل بالحل هذا أو ذاك..
هذا يرى أنه إعطاء للدنية و آخر يرى أنه تمييع وآخر يرى أنه تشدد وغلو وغيره يعتبر أنه تخلٍ عن منهج وعقيدة وهكذا تتعدد الآراء ويتعدد طرح الحلول و يدخل في ذلك الانتصار للرأي والفكرة وهكذا تنتشر الفوضى…
الثقة بين الجندي و أصحاب القرار إن غابت نتج عن ذلك مشاكل كبيرة تُثقِل كاهل الفصيل المقاتل وتتعب الجماعة المجاهدة ولكي لا يُفهم الكلام على غير مراده فيعتبر البعض أن هذا ترقيعاً لخرق أو تبريراً لخطأ ما فوجب أن أوضح أني لن أكتب هنا عن ضرورة طاعة الأمير و وجوبه” مع العلم أنه أمر مطلوب في الشرع ” فليس هذا الذي أريد ، لكن الذي أريده هو التنويه على قضية مهمة التي إن وُجدت ستحل كثيراً من المشكلات وهي أنه ما زال الأمر الذي يخطو به أصحاب القرار جائزاً شرعاً ولا مخالفة شرعية فيه وتكون عرفت ذلك ممن تعرفهم في قرارة نفسك أنهم مؤهلون ليقرروا ذلك ويفتوا به فسلم بذلك للأمير وثق به وهذا يجب أن يكون لأن الشرع والعقل يقول بذلك وأما العقل فلو أراد الأمير أن ينزل لرأي جنوده فلربما لديه ألف جندي فيكون لديه مئة رأي على سبيل المثال، إن كان سيفعل هذا أين معنى الإمارة في ذلك؟! ألم تكن رضيته أميراً عليك لحسن تقديره المصلحة والمفسدة فيقررها بذلك ؟!.
ثم إنَّ كثيراً من الشباب – هدانا الله وإياهم – يظنون أنَّه ينبغي أن يكون لهم رأي في كل موضوع ” إدارياً كان أو شرعياً أو اقتصادياَ أو سياسياً أو …” وهذه معضلة كبيرة رغم أن مَنْ يبدي رأيه لربما يبديه ليس لغرض شخصي إنّما حرصاً منه على نصرة الدين إن كان أمراً يخص هذا المجال أو ابتغاء مصلحة الفصيل أو الجماعة ونحن هنا لا نشكك بنيته وصدقه إنما كانت الطامة بأخذه لرأيه وتركه رأي غيره أو نصرته لفكرته وتعصبه لها مما ينتج عنه “قيلاً و قال” وفوضى… .
فالثقة بقرار من سلمته أمرك لا يأتي إلا بالخير وإن لم يكن في رؤيتنا أنه كذلك
” وأقصد هنا في الأمور المباحة وإلا فالأمر مختلف تماماً ”
فعمر رضي الله عنه ومن معه من الصحابة لم يكونوا مدركين حقاً لنتائج الصلح لكن تبين لهم فيما بعد أن تلك الخطوات التي خطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت خطوات يليق بذلك الصلح أن يُسمى فتحاً كما سماه ربي جل وعلا .
فبمجرد الصلح والتفاوض أعلنت قريش اعترافها رسمياً بالنبي ﷺ بأنه قوة موجودة على الأرض له أنصار وأتباع وذلك من خلال عقدها الصلح معه و النبي ﷺ منذ ست سنوات قد خرج منهم مهاجراً متخفياً فتبعوه يريدون قتله .
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استقرَّ الأمر له للدعوة فقد دخل في تلك السنوات الثلاث ضعف الذين دخلوا فيه من قبل .كما أنّه بتلك الفترة تسنى للنبي ﷺ التفرغ لليهود و لقتالهم حيث صُولحت قريش التي تعتبر الجبهة الأقوى من أعداء الملة في ذاك الوقت وكُفي المؤمنون شرهم بهذا الصلح .
إضافة إلى مكاسب أخرى كان عمر لا يراها ومن معه على هذا الرأي كما لا يرى كثير منا ثمرات بعض الخطوات التي نجنيها من خلال قرارات الشورى والفصيل.
ولكي لا يفتري علينا مفترٍ فإنا نقول أنّ هؤلاء الأمراء أو أصحاب القرار ليسوا بالتأكيد كالنبي ﷺ يرون ذلك الخير و يقدرونه بالإضافة أن رسول الله ﷺ في ذلك الصلح قد أُوحي إليه والتزم بأمر ربه ، فلا نستطيع أن نعمم ما جاء في صلح الحديبية ونطبقه متى شئنا .
لكن نقول أن نظرة أصحاب القرار وشورى الفصيل أ و الجماعة أكثر عمقاً ودقةً ومراعاةً للمصلحة والمفسدة أكثر من الجندي .
وهنا نقطة مهمة أن الجندي كلما استشكل عليه أمر هل هذا حق أم باطل هل هذا انحراف أم استقامة يجب عليه أن يستوضح من أهل العلم الذين يثق بهم ويرضاهم ويعرف أنهم أهل للفتيا والنصح وأنهم عالمون بواقع حال ما يفتون به . لأنه قد يفهم القارئ أننا ندعو الجندي للسير وراء الأمير كالأعمى يأخذه حيث يريد وهذه مشكلة كبيرة يقع فيها كثير من المقاتلين لقلة علمه و قِصر نظره .
فالنقطة المحورية التي نخلص إليها هي أن الأولى بالمقاتل أن يتهم رأيه أولاً فيما كان متنازعاً به مقابل قرار فصيله في الأمور الاجتهادية لذلك يقول أحد الصحابة في حادثة صلح الحديبية : اتهموا رأيكم لقد رأيتني يوم الحديبية لو استطعت أن أردَّ أمر رسول الله لرددته .

 

كتبه لإباء : بلال العكيدي

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق