شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

هيئة تحرير الشام؛ شبهات وتحديات وتطلعات

0 1٬384

إن المراقب لمسيرة هيئة تحرير الشام منذ بدايات جبهة النصرة والارتباط بالقاعدة ثم الانفكاك عنها وتشكيل فتح الشام ثم هيئة تحرير الشام يجد التطور الطبيعي لأي حركة تحمل قضية وهم أمة، بدأت بخلايا عسكرية صغيرة وانتهت أشبه ما يكون بدويلة تسير أمور الناس اقتصاديا وسياسيا ومجتمعيا ومدنيا في المناطق المحررة، ومما لا شك فيه أن العقلية ستتغير عند القادة الذين تمرسوا على هذا الدرب ومروا بمراحل كثيرة، فلا يعقل أن الذي يريد إدارة شؤون بضع ملايين من الناس سيحمل نفس عقلية قائد مجموعة عسكرية من بضعة أفراد. ومن هذا التغير الطبيعي، ولأن هيئة تحرير الشام تحمل طابعا جهاديا، فإنه دوما تتعرض لإشاعات واتهامات وتشكيكات قد تفقد الثقة بين الجندي والقائد، وطبعا فإن الذين يسوقون لفكرة الجهاد العالمي في منطقة تشبعت الحرب والدم لسنوات طوال سيظهرون كأنهم الثابتون على الحق والذين تغيروا –طبيعياوكأنهم الذين باعوا القضية وميعوا التوحيد، كما يفضل بعض أنصار السلفية الجهادية توصيف الحال. لكن على الأرض، من في حماية من؟ ومن يخدم الناس أكثر؟ ومن يحمل مشروعا حقيقيا يلمسه الناس أكثر؟ صاحب الفكرة الأيدولوجية العالمية الذي لا يتحمل أي مسؤولية أم صاحب المشروع الجهادي المتصالح مع الناس؟ لا شك أن الجواب يعلمه كل من على الأرض السورية. إن المزايدات الفارغة التي لا تترجم على الأرض بشكل عملي ليس لها قيمة مهما حملت شعارات براقة.

شبهات كثيرة يطرحها خصوم هيئة تحرير الشام: كيف للهيئة (النصرة سابقا) أن تفكك تنظيمات وفصائل لها ارتباطات بالأتراك وغيرهم واليوم الهيئة تتعاون مع الأتراك؟ شبهة يفندها التطور الطبيعي للثورة السورية ويفندها نفس الشعب الثائر؛ فالذي سعى من أول الأمر أن يكون له ارتباطات وسعى لقطف ثمرة حكم أو لكسب مكاسب سياسية صغيرة في ظل اشتعال الثورة والقصف والقتل والدم، هذا يريد أن يحرق مراحل ليصل إلى المرحلة الأخيرة التي كان الشرفاء يتجنبون الوصول إليهاوهي مرحلة الطروحات السياسية. فالثائر الحقيقي يتعامل مع السياسة على أنها أداة لتحقيق مصالح الشعب يلجأ لها اضطرارا عندما يضيق الحال به، لأن الأصل صدح البنادق لا بيع الثورة بالخنادق باسم السياسة. فالذي يزاود أن الهيئة تمارس السياسة في حين أنها فككت فصائل كانت تمارس السياسة الخيانة باسم السياسةهذا مضلل مدلس. ثم إن السياسة بحاجة إلى قوة لا أن تكون أداة بيد غيرك وتسمي نفسك سياسيا. ثم إنه ليس أي أمر يكون مقبول في وقت يكون مقبولا في وقت آخر، فلكل مرحلة مستحقاتها وظروفها.

من هنا على جندي هيئة تحرير الشام أن يعي حجم التآمر على ثورته وقيادته وأن يعي أن الهيئة انتقلت من عقلية الخلايا إلى عقلية الجماعة ثم أخيرا إلى عقلية إدارة شؤون المحرر والحفاظ على مكتسبات الثورة وبناء جيل جديد يكمل مشوار الثورة. فجندي هيئة تحرير الشام يختلف عن جنود بعض الفصائل المرتزقة التي تكسب مئات الدولارات مقابل أن تكون كلابا حارسة لمشاريع خارجية، إن الجندي المسلم يقدم لأمته ليساعد في بنائها، يصبر على المحن، يعلم حجم المؤامرات على شعبه وقيادته، يطيع القائد ما كان على صلاح، ثم فليتفكر جندي هيئة تحرير الشام، مع احترامنا لكل الفصائل الشريفة، أين هو القائد أو أين تلك الجماعة التي تحمل هم الأمة وأفضل من الهيئة؟ فليستعرض كل الفصائل حوله. ثم إن أراد الجندي أن يعلم مكانة جماعته فليقارنها بالجماعات التي حولها بنفس الظرف، لا أن يقارن جماعته بمجتمع الصحابة البعيد كل البعد عن حال جماعاتنا ومجتمعاتنا وأفرادنا، وقتها يعلم الجندي مكانة جماعته الحقيقية. ثم إن هيئة تحرير الشام مقبلة على مسارات صعبة وتحديات كبيرة في ظل التصنيف العالمي بالإرهاب، فلا بد للجماعة أن يكون لها موارد ومخزون وافر يلبي لها الحد الأدنى من إدارة المحرر على غرار طالبان في أفغانستان التي جمعت بين السياسة والجهاد وإدارة المحرر وسط الحرب والحصار. كل هذا يجب أن يدركه الجندي المسلم وأن يكون عونا لقائده وجماعته وأن يعلم قدر جماعته مقارنة بأقرانها الجماعات الأخرى بنفس الساحة والظرف.

نختم المقال بكلام جميل مسدد لشيخ الإسلام ابن تيمية من كتابه (السياسة الشرعية) – قاعدة القدرة والإمكان: “إذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان كان من أفضل أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله” [ابن تيمية، الفتاوى 262\28].

وإن هيئة تحرير الشام هي الوحيدة في سوريا التي جمعت بين إقامة الشرع –بحسب القدرة والإمكان لا بحسب التنظيرات والمثالياتوبين إدارة الناس وبين السياسة وبين الجهاد. مع فائق احترامنا لبقية الفصائل الشريفة التي تعمل بقدر جهدها، أما أصحاب المشاريع الانبطاحية التسولية للغرب تحت أي غطاء ثوري أو إسلامي، فهؤلاء عبء على الثورة والجهاد معًا مصيرهم مزابل التاريخ.. والجهاد ماض الى يوم الدين.

 

بقلم: أحمد أبو فرحة

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق