شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

الثورة السورية وأساليب المواجهة

0 1٬534

من البديهي خلال الانتفاضة الشعبية أن تمر الثورة بالعديد من مراحل النمو المتنوعة، لتبدأ أولا بالمناخ الثوري، ثم الانفجار الثوري، ثم المواجهة العسكرية السرية، ثم المواجهة العسكرية شبه النظامية، ثم المواجهة العسكرية النظامية التي تنتهي غالبًا بالحسم ضد النظام البائد وإعلان الحكومة الجديدة.. ومن الضروري جدًا أن يتم اختيار المراحل في كل تجربة بعناية فائقة، لأن الخطأ في الترتيب بينها يعني هلاك الثوار وانتهاء الحرب لصالح الثورة المضادة.
كانت الثورة السورية على مستوى عال من التميز لدرجة أن الشعب بأسره خرج على النظام الحاكم، وخلال أيام معدودات تحررت العديد من المناطق الاستراتيجية المحاذية لأهمّ عواصم الدولة. وفي مشهد درامي مشوق بدأت مراكز النظام تتساقط كقطع الدمنو، ثم مع انفراط كل حلقة من حلقات سيطرته، كان بشار الأسد يتراجع نفوذه بشكل ساحق. ورغم الأمراض والانتكاسات التي كان الدواعش سببا رئيسا فيها، كان النظام لا يزال عاجزا عن التقدم أو حتى الصمود، وقد تجلى ذلك بشكل واضح خلال سلسلة الانتصارات التي حققها جيش الفتح عام 2015.
لكن الحدث الفارق الذي قلب الموازين؛ هو دخول الروس والإيرانيين على الخط بشكل مباشر، مما أعاد للنظام قوته وعنفوانه، ولقد ظهر للعيان بعد معارك حلب وحماة عدم قدرة الثوار على تحرير مزيد من المناطق أو حتى الصمود في المحرر القديم، وذلك بسبب الفارق الشاسع بين القوى، بعد الكم الهائل من الدعم البشري والمالي والجوي الذي تلقاه النظام.
ولأن عدونا قد سبقنا بالعديد من الخطوات من حيث موازين القوى، فعلى الثوار أن يتراجعوا بعض الخطوات على مستوى تكتيك المواجهة؛ بحيث تنتقل قواتهم من العمل بشكل نظامي إلى العمل بشكل غير نظامي، ومن التجمع المركزي إلى التجمع اللامركزي.. وتفصيلا لذلك؛ ينبغي تقسيم مناطق سيطرة النظام وبعث الخلايا الأمنية فيها من جديد، بحيث يتم في مناطق البادية السورية توزيع مجموعات مدربة على البقاء في الظروف الصعبة والإغارة على نقاط العدو الضعيفة، والكمون لأرتاله المتحركة، مع التحرك بشكل مستمر دون السيطرة على الأرض أو الرباط فيها، وفي المناطق المدنية يتم توزيع خلايا أمنية تختفي بين السكان وتخطط لضرب قادة النظام ومراكزه المهمة.
أما في المناطق الأخرى والتي لا زالت تحت سيطرة الثوار، فينبغي اتباع تكتيك الحرب شبه النظامية، التي لا تعتمد على القوة البشرية بقدر اعتمادها على نوعية العمليات وعنصر المفاجأة، يجب أن تعمل عصابات ثوار على استنزاف الخصم دون الحرص على كسب الأرض، واستعمال الهجومات الخاطفة والعمليات النوعية على طرق إمداده، والإغارة السريعة على القرى والضيع المناصرة له والنقاط العسكرية ضعيفة التحصين دون الثبات فيها، والاغتنام والتخريب ثم الانسحاب بأقل قدر من الخسائر.. كما ينبغي تفعيل الخنادق والأنفاق والاهتمام بها وتفريغ فرق عمل خاصة لها، فإنها جديرة بحماية المجموعات أثناء الهجوم من القصف والرصد الحراري، وكفيلة بإيصال أفراد العصابات إلى نقاط حساسة دون أن يشعر النظام -عملية مدينة البعث ومعركة مطار أبو ظهور كنموذج-، مع ضرورة تفعيل التفخيخ بشكل كبير وتطويره بحيث لا تقوم مجموعات العصابات بأي عمليات نوعية إلا وتترك قبل انسحابها شبكة ضخمة من الفخاخ في البيوت والطرق والأغراض المنزلية… إلخ.
هذا من حيث الهجوم، أما من حيث الدفاع؛ فلا بد من تأمين الرباط بحيث يكون وصول النظام إلى المناطق المحررة باهظ التكلفة، واستنزافيًّا بكل ما في الكلمة من معنى.. فالعدو الآن يتمتع بقوة عسكرية تمكنه من الوصول إلى أي نقطة يرغب فيها، لذا لا ندافع بمبدأ رجل لرجل، بل بمبدأ رجل محصن بالخنادق والأنفاق، مدرب على الالتفاف والمراوغة، مسلح بالقنص والفخاخ المتفجرة القاتلة، يدافع ضد رجل لا يتقن فن المراوغة والفخاخ ولا يعرف الأرض؛ مما سيسبب قطعًا أكبر خسارة للعدو، فنرفع إلى الحد الأقصى قيمة الفاتورة التي يدفعها العدو من أرواح جنوده ومعداته العسكرية.
ولا يكون هذا إلا بتطوير التفخيخ والتشريك كما مر معنا في تكتيكات الهجوم، وتفعيل الكمائن المتفجرة في نقاط الرباط، وتفريغ سرايا خاصة للقنص وسرايا مدربة على المؤازرة السريعة والالتفاف مما يجعل تقدم العدو باهظ الكلفة، كما ينبغي تفعيل مبدأ الرباط الحامي بحيث تخصص مجموعات انغماسية صغيرة ومدربة للتسلل والمضايقة باستمرار.
بهذه الطريقة في الدفاع والهجوم ستقع القوات المعادية في استنزاف متواصل، ثم مع الوقت سنتمكن من العودة إلى التكتيكات النظامية والمواجهة المباشرة المفتوحة، وسنرجع إلى أسلوب تحرير المدن والقرى من جديد بإذن الله.
ومن أجل تنظيم هذه التكتيكات وتطبيقها على الأرض، لابد على الجميع أن يعتمدها، فلا يمكن لفصيل واحد أن يتحمل الأمر لوحده، ويمكن أن تقسم الفصائل الثورية قواتها على العديد من القواطع الجغرافية المستقلة نوعًا ما، والقادرة على الدفاع والإغارة بشكل مستمر دون انتظار توجيهات من القيادة العامة، لتكون هيكلية كل قاطع على الشكل التالي:
قيادة ميدانية تقوم بالرصد والتخطيط للعمليات النوعية بشكل متواصل
تتبع لها
1-سرية قوات خاصة جاهزة متى احتاجتها القيادة الميدانية للعمليات الخاطفة
2-سرية أنفاق تمهد للعمليات النوعية أو تؤمن نقاط الرباط
3-سرية هاون نوعي (82، 62) تشارك في العمليات الخاطفة
4-سرية قنص تشارك في العمليات الخاطفة وتقوم باستنزاف العدو على نقاط الرباط
5- سرية تفخيخ لتأمين نقاط الرباط ، وتفخيخ الأرض قبل الانسحاب بعد كل عملية نوعية

 

بقلم: أحمد خليل

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق