شبكة إباء الإخبارية
دقة ومصداقية

الثورة السورية في عهدها الجديد بناء الإنسان والأوطان

0 1٬535

حق لسائل يسأل: كيف انتصر الشباب السوري الثائر ببندقية خرطوش في البداية، وكيف سلم هذا الثائر دباباته وأسلحته الثقيلة بعد ذلك وانهزم؟ ستلاقي إجابات كثيرة على هذا السؤال، أغلبها هروب من الحقيقة وانتصار للموقف الحالي. ربما يقول قائل: أصحاب الرايات السود أفسدوا الثورة، ويقول قائل آخر: الخيانة، وقائل آخر: داعش وكثير من الإجابات التي تكون أصلا تضخيم لفرع صغير من الحقيقة.
الحقيقة الواضحة كالشمس أن مجموع الثوار السوريين لم يكونوا على قلب واحد ولم تكن لهم اهداف ودوافع حقيقية تسمح لهم بالثبات حتى النهاية. فالذي ثار لأجل قريته مثلا أو لعائلته أو الذي ثار لتحسين نمط حياة أو الذي ثار ضد النظام ورهن نفسه لداعم وموجه؛ كل أولئك لن يصمدوا بالثورة حتى آخرها، وبالتالي فإن انهيار فصيل يجر انهيار آخر حتى يبقى بعض الرجال الشجعان ممن هم مستعدون لتقديم أرواحهم رخيصة في سبيل الله أمام خيار من اثنين: إما تخضع عنوة للتسويات المدارة إقليميًّا وعالميًّا أو أن تموت ببساطة ويذهب جهدك هدرًا – على مستوى الدنيا.
أما التنظير من بعيد فهو سهل ولا يكلف كثيرًا، موتوا أيها المجاهدين ليقال عنكم شرفاء!! أو أنكم لم تكونوا على التوحيد فلهذا لم ينصركم الله.
إن المطلع على الساحة يعلم حتمية الانفراط الذي كان سيحل بالفصائل، انفراط اختياري وانفراط قسري، لكن كل هذا معلوم.. فليس كل الناس يطلب منهم القتال العقائدي، وإنه ضرب من ضروب المستحيل أن يخرج جيل نقي بعد تربية البعث لأربعين عامًا. وإن سنة الله في التغيير ماضية بترتيب رباني، وبمرحلة وراء أخرى، فشلت التجربة النخبوية في الجهاد، التجربة التي يبتعد فيها التنظيم عن الحاضنة والناس ثم يباد فوق الجبال أو تحتها أو في الصحاري والسهول. كما أن التجربة الشعبية فشلت أيضًا، فليس كل الشعب يعلم ما يريد وليس كل الشعب له وجهة واحدة في الثورة.
إن اليوم هي مرحلة اندماج النخبة مع الناس، احتماء النخبة بالناس وبذل النخبة للناس توعيةً وإصلاحًا، كما أن الناس أيضًا لهم دور في إصلاح النخبة، فالقيادي الفاسد الذي أجمع الناس على فساده يجب أن يُحاسَب. النخبة تأخذ التغذية الراجعة من الناس والناس تقيم النخبة أولاً بأول. النخبة لا تفرض فرضًا ما وهنالك سعة في عدم الفرض، فالفرض يكون بالثوابت والبقية تكون بالإصلاح والدعوة والتحبب.
إدلب اليوم في سوريا هي الحصن الأخير لأهل السنة والثورة. في إدلب اليوم ستخرج أجيال تختلف عن السابق. أجيال تكفُر بالحزبية، مخزونها العقائدي وافر، بعيدة عن الإفراط والتفريط. وحتى يبزغ ذلك الجيل الموعود، فإننا اليوم في مرحلة بناء للإنسان الواعي، بناء للوطن الحاضن. فالرسول صلى الله عليه وسلم بنى جيلاً وربى نفوسًا، ثم انطلق بوعد الله ومشيئته إلى بناء الدولة، ثم إلى نشر الدعوة خارج الدولة.
إن المجاهد الحقيقي هو الذي يعرف طبيعة الصراع ويعرف كيف ينوع وسائله ويراوغ بها، وليس على المجاهد أن يفنى ليثبت أنه شريف! فحتما ستأتي أوضاع وأزمان تكون فيها الظروف أقوى منك، وكلما كانت قوتك الداخلية أقوى، كلما حققت إنجازات أكثر وقللت من الخسائر.
إن تحكيم الشرع في أساسه جوهر وله أيضًا مظهر. فمن ركز على المظهر فقط لم يعلم مراد الشارع وغاص في التفاصيل الدقيقة التي تبعده فهم الشرع بشكل حقيقي. فالعمل لتحكيم الشرع يكون جوهرًا ومظهرًا بآن واحد، متبعًا أسلوب الحكمة والتلطف والعمل على قدر الاستطاعة.
إن ما يتطلب اليوم هو أخذ العبرة مما سبق ومحاولة رأب الصدع بين الأطراف ما أمكن، وإنشاء أجيال تحمل خصائص أفضل، وهذا يتطلب جهدًا كبيرًا من الدعوة الصادقة والعمل الإعلامي الكثير الكثير. إن في إدلب رجالاً تغار على دينها ووطنها، وإن إدلب بإذن الله صانعة لجيل الغد الواعد، وما ذلك على الله ببعيد.

 

بقلم: أحمد أبو فرحة

 

احصل على آخر الأخبار بشكل فوري على جهازك، اشترك الآن!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اشترك بالقائمة البريدية الأسبوعية
اشترك ليصلك ملخص الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
** يمكنك إلغاء الاشتراك في وقتٍ لاحق